عندما سمعت الرئيس السوري بشار الأسد في أنقرة يوم 17/10/2007م يؤيد حق تركيا في الدفاع عن نفسها، ويقرر أن سوريا تعتبر حزب العمال الكردي منظمة إرهابية, تبيَّن لي كيف أن الأحداث والمصالح تُغيِّر التحالفات والمواقف؛ ذلك أنه حتى عام 1998م كانت الورقة الكردية وإيواء عبدالله أوجلان في سوريا إحدى أوراق مهمة في يد سوريا في مواجهة تركيا التي تحالفت تاريخيًّا مع الكيان الصهيوني، وكانت سوريا هي التي تتصدى لها في المحافل العربية والإسلامية مثلما كانت تركيا جزءًا من التحالف الغربي ضد المصالح العربية, ومن هذه الزاوية فإن تركيا كانت تضغط على سوريا والعراق بورقة مياه نهر الفرات وما فعله سليمان ديميريل عام 1991م في البلدين.

 

ومنذ تفهُّم سوريا لحساسية المسألة الكردية لتركيا والتسوية السياسية معها انفتح باب التقارب على هامش المتناقضات, ولكن هذه المرة أفصحت سوريا عن موقفٍ أشد وضوحًا في قضية الأكراد، ربما لأن سوريا نفسها تريد للأكراد أن يكونوا جزءًا من الدول التي يعيشون فيها مع ملاحظة متطلبات اختلافهم العرقي والثقافي عن البيئة الوطنية, مما يناقض خطوات تقسيم العراق وفصل الأكراد وشيوع الروح القومية لديهم, وهو ما يهدد أيضًا سوريا, قبل أن يجرح مشاعرها القومية.

 

ولا شك أن التقارب السوري التركي على خلفية الملف الكردي يعكس مصلحةً مشتركةً في ملفٍ له الأولوية المطلقة في التوجهات التركية.

 

والملاحظ أن اعتراف سوريا بحق تركيا في الدفاع عن نفسها ضد حزب العمال الكردي ينطوي على موافقةٍ على تدخل تركيا عسكريًّا ضد الحزب في شمال العراق, وهذا موقف جديد يتماشى مع الجديد في الساحة العراقية، فالعراق البعثي كان في معظم الأحيان على خلافٍ مع البعث السوري رغم أن الدولتين, سوريا والعراق أصدقاء لموسكو، ولكن سوريا كانت تنظر إلى العراق موحدةً إقليميةً عربيةً, ولا تمانع في إجراءات حكومة بغداد لضبط وحدة الدولة العراقية ضد الأكراد الذين كانت الدول المجاورة تحرضهم ضد حكومة بغداد, وكان الهدف السوري دائمًا من هذا الموقف هو أن محاولات إضعاف الدولة العربية القطرية تنال من قدرة الدولة على التماسك والقدرة على تحقيق الآمال القومية.

 

ولكن عندما بدأ أكراد العراق يُستخدَمون كورقةٍ في يد الولايات المتحدة فإن ذلك يحقق ضررين من وجهة النظر السورية: الأول, أنه ينال من وحدة العراق, وهو هدف للاحتلال الأمريكي والمخطط الصهيوني، والثاني أنه دعمٌ للاحتلال وتخفيف من ورطته، وهذه نتيجة سلبية في الحسابات السورية.

 

ولكن ضغوط المشكلة الكردية على السياسات التركية الناتجة أصلاً عن تشجيع أكراد العراق على الاستقلال ودعم واشنطن لهم, سوف تُؤثِّر على الساحة العراقية, وعلى تحالفات تركيا في المنطقة والعالم، وفي تقديري أن هذه الآثار تتلخص فيما يلي:

أولاً: في الساحة العراقية, حدث تباين كبير بين موقف نوري المالكي ورئيس الجمهورية جلال الطالباني الكردي, فالأول تعهَّد بالتحالف مع تركيا لقمع حزب العمال الكردي داخل العراق, وأظنه لا يمانع في عملياتٍ عسكريةٍ تركية في شمال العرق, بينما يعارض الثاني بطريقٍ غير مباشر بالطبع هذه العمليات؛ لأنها ضد الأكراد؛ مما يؤدي إلى إحراجه من زاويتين أولها أنه لا يملك بالقطع لديه هذه السلطة, كما أن هذا الأمر لا يهم كل العراقيين, وثانيهما أن الطالباني زعيم كردي قاعدته الأساسية بين الأكراد ووجوده على رأس الدولة هدفه تسهيل انتقال الأكراد تحت غطاء الفيدرالية إلى الاستقلال.

 

وأعتقد أن قضية الأكراد في تركيا مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بزحف أكراد العراق صوب الاستقلال مما يجعل تركيا في مأزق دائم, وهي تدرك أن تحالفها مع الولايات المتحدة لا يمنع واشنطن من اتخاذ مواقف ضدها مثلما حدث في قضية مذابح الأرمن.

 

صحيح أن تركيا تُدرك أن تورطها في العراق سوف يؤدي إلى استنزافها، كما أنها تدرك أن واشنطن لا توافق على هذه العمليات, وأن التهديد إذا نجح هذه المرة جزئيًّا فإنه لا يحل هذه المشكلة المعقدة من جذورها, وعلى تركيا أن تعد نفسها لمشكلةٍ مزمنة.

 

وأخيرًا, من الواضح أن تصدي تركيا للأكراد شمال العراق سوف يُحدث تغيرًا في ميزان القوة بين أطراف المعادلة العراقية, فليس صحيحًا أنَّ تركيا تتدخل كقوةٍ سنيةٍ حتى يُقال إن الشيعة يجب أن يتصدوا لها, وليس صحيحًا أن تدخل تركيا في شمال العراق الآن هو انتهاك لسيادة الدولة العراقية, مما يؤدي إلى تصدي العالم العربي لتركيا, فقد تغيَّرت المعادلات والمصالح وتغيرت معها المواقف.

 

من الواضح أيضًا أن ديمومة المشكلة لدى تركيا هي نفسها التي يُمكن أن تجبر العراقيين على العيش في عراقٍ موحدٍ بعد أن رأوا تربص إيران, وتركيا, كلٌّ لأسبابه، بالعراق, فيصبح للمواطنة مذاق المصلحة والوطنية.

 

ثانيًا: في مجال التحالفات التركية, تؤدي المشكلة الكردية إلى خلخلة التحالف مع الولايات المتحدة, كما تؤدي إلى التقارب مع سوريا وإيران, وفي ذلك خسارة كبيرة لواشنطن, فضلاً عن أن هذه المشكلة قد تخلخل العلاقات التركية "الإسرائيلية"؛ لأن إسرائيل هي التي تؤيد الأكراد في العراق وتركيا؛ مما ينال من التحالف الصهيوني التركي المرتبط عضويًّا بالتحالف التركي الأمريكي.

 

ثالثًا: هذه التطورات سوف تُقوي التحالف السوري الإيراني، ومعهما حزب الله اللبناني في مواجهة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، كما ستخلق تحالفًا مصلحيًّا مهمًّا بين تركيا وإيران على المحور الكردي فيصبح التقارب الإيراني السوري مع تركيا قائمًا على المحور الكردي, أساسًا, ولكنه في الحساب الختامي ضد الكيان الصهيوني والقوى العربية المناوئة لتحالف سوريا إيران/ حزب الله حماس, والنتيجة هي تحرك تركيا في نهاية المطاف من موقعها الحالي تمامًا للغرب إلى موقع أقرب إلى المصلحة التركية منه إلى خريطة التحالفات التقليدية.