د. جمال نصار

 

تشهد الجامعات المصرية في الآونة الأخيرة حملةً شرسةً ومنظَّمةً ضد الطلاب من قِبَل إداراتها، بتوجيه مباشر من أمن الدولة، الذي أصبح يسيطر ويهيمن على كل مقدَّرات الأمور في بلدنا، ويتبارَى رؤساء الجامعات وعمداء الكليات المختلفة في مواجهة الطلاب بالتحقيق والفصل، وخصوصًا أصحاب التيارات السياسية، وعلى رأسهم الطلاب المنتمون للإخوان المسلمين؛ إرضاءً للجهات الأمنية التي لها اليد الطولى في تعيين رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، وإتاحة الفرصة لطلاب الحزب الوطني دون غيرهم.

 

وأصبح الأمر مثيرًا للدهشة والاستغراب؛ أن نقرأ في صحيفة (الدستور) يوم السبت الموافق 13/10/2007 أن "واصلت كليات جامعة القاهرة سياستها التصعيدية ضد طلاب الإخوان والتيارات السياسية في الساعات الأخيرة السابقة لإجازة العيد، بعدما أحالت 48 طالبًا في التجارة و20 آخرين بالآداب و13 بالعلوم إلى التحقيق؛ ليصبح العدد الإجمالي للطلاب المحالين إلى التحقيق منذ بدء الدراسة 308 طلاب وطالبات"!!

 

تأمل معي أيها القارئ هذا العدد فقط في جامعة القاهرة، فما بالك في جامعات: الأزهر، وعين شمس، وحلوان، وطنطا، وأسيوط، والزقازيق، وجنوب الوادي، وغيرها من الجامعات المصرية؟!!

 

وللأسف الأسيف تحوَّلت الجامعات المصرية إلى ساحة لتصفية الحسابات مع طلاب التيار الإسلامي لمصلحة طلاب الحزب الوطني، وأتساءل ويتساءل معي كل شريف حريص على وطنه ومستقبله: لمصلحة مَن يحدث هذا؟! لمصلحة مَن كلُّ هذا العَدَاء للشباب اليافع الحريص على ممارسة نشاطه بالطرق السلمية؟! لمصلحة مَن يتم استبعاد تيار بعينه من المدن الجامعية وإيقاع أقصى أنواع العقوبة عليه؟! لمصلحة من يتم إعاقة ترشيح الطلاب للانتخابات الطلابية؟!

 

لا شكَّ أننا نعيش جميعًا حالةً من التعسف والتضييق العام المتعمَّد، على كل نشاط أو فعل أو قول يخالف مسار الحزب الوطني وسياساته التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، فلم يكتف الحزب الجاثم على صدورنا لأكثر من ربع قرن بمعاداة كل شرائح المجتمع، من قضاة، وصحفيين، وأطباء، ومدرسين، ومهندسين، وأساتذة جامعات، وأحزاب سياسية، ومنظمات مجتمع مدني، وعمال، وغير ذلك، بل يريد أن يجفف المنابع من المصدر!

 

إنها سياسة الإقصاء المتعمَّد لشريحة مهمة ناهضة في المجتمع، لمصلحة فئة بعينها تريد أن تسيطر على كل مقدَّرات الدولة!

 

فالشباب هم طليعة هذه الأمة، وسرُّ نهضتها، وحاملو رايتها، المدافعون عنها في كل الميادين، هذا الشباب يمثِّل الصفوةَ، ويجسِّم القدوةَ، ويضرب المثل، ويتقدَّم الصفوف ساعة الفداء، ويعايش الجماهير في مواقعها، يحمل همومها، ويعاونها في حلِّ مشكلاتها، ويشاركها مسرَّاتِها وأحزانَها، ويعبِّر عن آلامِها وآمالِها.

 

الشباب يا سادة- والطلاب خصوصًا- يرجون من أساتذتهم الاستماعَ إليهم، والاستئناسَ بنصحهم، وتوجيهَهم بطريقةٍ لائقةٍ، ليس فيها تعنُّتٌ أو تعسفٌ، تنبني على أسس من الحوار البنَّاء الذي يوجِّه طاقتهم وحماسهم لتحصيل علومهم، وخدمة وطنهم.

 

إن هذه الطريقة الصدامية لا تنفع بل تضرُّ، وتُخرِج لنا أجيالاً من الشباب فاقدين للانتماء والتحصيل، خاملين لا يحملون همَّ أمتهم ووطنهم، بل يحملون الضغينة على أساتذتهم؛ لأنهم أصرُّوا على كبتهم وخنقهم بكل الوسائل الإدارية.

 

وأذكر ونحن طلابٌ في جامعة القاهرة في منتصف الثمانينيات كان أساتذتنا يستمعون إلينا، وينصحوننا برفق ولين، ويوجهوننا بحب ومودة، ولا أنسى حينما اعتُقِل زميلٌ لنا (رئيس اتحاد المدينة الجامعية) اعتصم الطلاب داخل المدينة الجامعية، حتى يتم الإفراج عن زميلهم، وذهبتُ مع بعض الزملاء إلى الرجل الخلوق الأستاذ الدكتور علي السلمي (نائب رئيس جامعة القاهرة وقتئذٍ)، وقلت له: الطلاب ثائرون، ولن ينصرفوا إلا بعد نزول سيادتك لهم في المدينة الجامعية، فاستجاب الرجل، ونزل للطلاب، وتحدث معهم، ولم يحاربهم أو يهملهم، بل حاورهم، واهتمَّ بهم.

 

فأين المسئولون في الجامعات المصرية الآن من هذا التصرُّف النبيل لأبٍ مع أبنائه، وموجه لطلابه؟!

 

أناشد كل المهتمين بشأن التعليم في مصر أن ينتبهوا إلى خطورة هذا التصعيد ضد الطلاب؛ لأنه ربما يولِّد العنفَ الذي لا تُحمَد عقباه، وعليهم أن يعودوا إلى رشدهم، ويحفظوا للشباب كرامتَهم، ويُحْسِنوا توجيهَهم في أجواء هادئة، حتى يكونوا عدةً لغدٍ مشرقٍ، ويدًا تبني لا تهدم؛ لخدمة مصرنا الحبيبة.

 

----------

* nassareg2000@yahoo.com