لا يملُّ العلمانيون الجدد من محاولات جذب المجتمع بوجه عام إلى التوجُّه العلماني في الثقافة والقيم والأخلاق، وأيضًا محاولة صبغ خطابات بعض الإسلاميين بنفس اللغة، وإن تغيَّرت الألفاظ، وهذا للأسف وَقَعَ فيه كثيرٌ من الرموز الإسلامية؛ حيث أوهموا هؤلاء السذَّج أن- العلمانية والحرية مترادفان- ولا حرية بغير علمانية.
ولن يصل الإسلاميون إلى الحكم إلا عبْر المسار العلماني، وألقوا في عقول هؤلاء أن المرجعية الدينية تعني الدولة الدينية، وهذا وهْمٌ كبيرٌ؛ فهناك فارق كبير بين ألا تخالف الدين وأن تحكم باسم الدين (باسم الحكم الإلهي)؛ فيصبح حكمك مقدسًا وقولك منزهًا عن الخطأ، وهذا لم يقله أحدٌ من الإسلاميين.
المصيبة أن بعض الرموز الإسلامية بدأوا يردِّدون ما يقوله بعض العلمانيين من أن أيَّ مرجعية إسلامية معناها هيمنة "رجال الدين"، مع علمهم أن الإسلام لا يعرف كلمة "رجال الدين" ولا يحكمون بالحكم الإلهي، وأن كل هذه المعاني كانت ملتصقةً بالكنيسة لا بالإسلام.
والعلمانيون الجدد أذكى من العلمانيين التقليديين، فالتقليديون يعلنون بكل وضوح عداءَهم للدين؛ لأن الدين يشكِّل العائق ضد توجههم، ويهدد وجودهم، ويفصح تصوراتهم.
أما العلمانيون الجدد فلا يعلنون بألسنتهم العداءَ للدين، وإن كانوا يضمرون ذلك في قلوبهم، ويرتضون بالعلمانية الجزئية، وهي فصل الدين عن الدولة، وإذا أرادوا أن يضربوا مثلاً لصحة قولهم ضربوا ذلك بمثل الكنيسة والدين المسيحي.
وهذا مثل لا يمكن القياس عليه، لطبيعة الدين المسيحي الذي لا يتحدث إلا في العقيدة والقيم فقط، ولا يتحدث عن الدولة والحكم والاقتصاد والسياسة، أما الإسلام فيتحدث في كل شيء ﴿مَا فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية 38)، فإسلامنا يتكلم في السياسة والحكم، وفي البيع والشراء، وفي الزراعة والمساقاة، وفي الخلع والإيلاء، وفي الكسب والغنى، وفي المعاهدات والحروب، وفي الحاكم؛ ما له وما عليه..
إن الإسلام لا يضفي قداسةً على شخص مهما كان منصبُه في مجال الاجتهاد البشري، بعيدًا عن الوحي الإلهي، والوحي الإلهي قد انتهى بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فالعلمانيون الجدد الآن يسوقون العلمانية الجزئية، وهي فصل الدين عن السياسة والاقتصاد، مع السكوت في بعض مجالات التي تتعلق بالأخلاق، بمعنى أن الإسلام ليست له علاقة بالسياسة والحكم، بمعنى إذا أراد الإسلاميون أن يحكموا فلا بدَّ من مبادئ العلمانية لا مبادئ الإسلام.
ألا يعلم هؤلاء العلمانيون أن الإسلام هو الذي أسَّس الحرية بكل معانيها: حرية الكلمة والرأي إلى حرية العقيدة وحرية التملك، وأن الإسلام أساس العدالة والعدل ﴿فَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8)، والأمثلة عديدة، والأدلة ناصعة وواضحة.
والإسلام هو الذي أسس المساواة.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، والعصور الإسلامية الأولى خير مثال على ذلك؛ حين يقف الحاكم والمحكوم سواءً أمام القاضي؛ فلا ميزة لحاكم على المحكوم في القانون، ونحن الآن نعيش في أنظمة علمانية لم تحقق الحرية ولا العدالة ولا المساواة، بل وقدَّست الحاكم وجعلته إلهًا أو نصفَ إلهٍ، وانظر من الغرب إلى الشرق تجد الآلهة وأنصاف الآلهة.. هل في أمريكا- رمز العلمانية- حرية في ظل سجون جونتانامو وأبو غريب؟!
هل هناك عدالة أو مساواة وما زال العرب والمسلمون يعانون الأمرَّيْن بسبب البشرة أو الدين، وما زالت التفرقة بين الأمريكيين العرب والغربيين مستمرة، ويعاني منها كل المسلمين والعرب والأفارقة؟!
العلمانيون الجدد خبثاء؛ فبعدما فشلوا في تسويق مفهوم العلمانية الشامل- وهو مشتقٌّ من كلمة (Secularity) لا ديني أي (ضد الدين) (ضد العقيدة)- يحاول البعض منهم أن يقول إن مصطلح العلمانية يعني انتصار العلم على الدين، هذا خاصٌّ بحالة خاصة تاريخية، وهي انتصار أهل العلم المسيحيين على الكنيسة، لكن الإسلام لا يعادي العلم، بل ينادي به، ويحث عليه، وبل جعله فريضةً: "طلب العلم فريضة"، وأعلى من قيمة العلماء ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28) ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية 9).
فبعدما فشل العلمانيون في تسويق العلمانية الكلية وإعلان العداء الواضح والصريح للدين وعزل الدين عن كافة مناحي الحياة فلا وجود للدين في سلوك المجتمع أو الأفراد، بمعنى:
لا يقُل أحد إن الشذوذ (حرام)؛ فهو حرية شخصية!!
ولا يقل أحد إن الزنا (مجرَّم)؛ طالما برضى الطرفين!!
ولا يقل أحد إن الربا (حرام)؛ فهو نظام عالمي كوني، وكذلك الإجهاض والسفاح وزواج الشواذّ، وانظروا إلى وثيقة بكين وغير ذلك..
ونظرًا لأن المجتمع المصري والعربي لا يقبل بالعلمانية في الأخلاق فقد أخَّروها إلى حين، مع السماح غير المقنَّن بتسريب بعض الكتب والروايات والمجلات والكتابات لبعض الكتَّاب والأفلام؛ مما تحرض هذه الوسائل على الرذيلة؛ بحجة أن جسم الإنسان ملك له (يزني- يشذّ- يبيعه كيفما شاء).
في الإسلام (الإنسان بنيان الله في الأرض ملعون من هدم بنيانه)، ونظرًا لصعوبة أن يتقبل المجتمع المصري هذا السلوك فقد ارتضوا بالعلمانية الجزئية كخطوة وصولاً في المستقبل القريب إلى العلمانية الكلية.
الغريب أن النظام الحاكم ارتضى أيضًا بالتحالف مع هؤلاء العلمانيين الجدد، وأعلن النظام: "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"؛ بهدف تحقيق مصالح مشتركة:
أولاً: يحقق النظام الهدف الأسمى له، وهو استبعاد الإسلاميين خارج معادلة الحكم.
ثانيًا: يحقق العلمانيون هدفهم من نشر فكرتهم العلمانية، وتحويل مصر- بلد الأزهر وآلاف المآذن- إلى بلد علماني يعلن عداءَه للدين وترحيبه (بالزنا والربا والشذوذ والسحاق والإجهاض..)، ولن يحدث ذلك بإذن الله.
ثالثًا: وأيضًا أمريكا لها مصلحة من ترويج العلمانية في مصر، وهي ترسيخ مفهوم (لا أمل لوصول الإسلاميين للحكم إلا عبر المسار العلماني، وفي هذه الحالة يصبح الإسلاميون علمانيين، بعد أن يكونوا قد فصلوهم عن تيارهم وعزلوهم، ثم يلقون بهم في مزبلة التاريخ، فلينتبه بعض الرموز الإسلامية من الوقوع في هذا الفخ العلماني.
فلا عزَّ لهم إلا بالإسلام، ولا عزَّ لهم إلا بالله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (فاطر: من الآية 10)، لا بالتقرب إلى أمريكا ولا إلى علمانيين ولا إلى مسئولين ولا إلى حكام، وليعتز هؤلاء بمرجعيتهم ولا يتخلفوا عن لغتهم الإسلامية وثوابتهم وانتمائهم إلى تيارهم الإسلامي الوسطي المعتدل، ولا يرضخوا إلى ابتزاز من هنا أو هناك، وليعلموا أنهم على خطر عظيم وفي مرحلة هامة من حياة أمتنا؛ فإما أن يعدِّلوا من لغتهم وينطلقوا من إسلامهم وإلا سوف تلفظهم الجماهير.
----------
* مدير المركز المصري للإعلام والثقافة والتنمية.