لم تستطع السنوات الطوال من عمر النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني أن تقنع قادة السلطة الفلسطينية ورموزها- من هرم منهم ومن هو على الطريق-، أن سياسة الطاولة المستديرة، وفلسفة الغرف المغلقة، والمفاوضات السرية والعلنية، بل وعلاقة التبادلية بين المشروع الاستعماري في المنطقة، المتمثل بالكيان الصهيوني، والقائم على مبدأ الخضوع والخنوع، والقبول بالحد الأدنى من الشروط، لن تحقق للشعب الفلسطيني ولا لأي شعبٍ محتلٍّ آخر حقوقه الدنيا التي يطمح بها.

 

وبطبيعة الحال، فإن المطلوب في المقابل وجود حلول إستراتيجية فاعلة تقوم على أساس إعطاء الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المعترف بها دوليًّا وإنسانيًّا، وتعويضه عن سنوات الحرمان التي عاشها منذ ما يزيد على نصف قرن، ولن يتحقق ذلك إلا بانتهاج المقاومة.

 

إن تعاقب المؤتمرات والندوات واللقاءات المختلفة بين الطرف الفلسطيني على وجه التحديد، وأي طرفٍ عربي آخر، مع الكيان الصهيوني المحتل، يعني أننا ندعم وجود هذا الكيان ولسنواتٍ قادمةٍ، وهذا يعني أن المفاوضات التي يسعى لها الطرف الصهيوني، ويُمهِّد لها بالمقابل الجانب الأمريكي، ويلهب وراءها- للأسف الشديد-، المفاوض الفلسطيني دون تحقيق أي نتيجةٍ تُذكر، يعني أن مبدأ اللقاءات وإن اختلفت مسمياتها أو أماكن انعقادها تعطي شرعيةً واضحةً وصريحة، بجلوس الضحية مع المجرم على طاولة العدالة الدولية!.

 

مؤتمر الخريف القادم، وما تبعه من مؤتمرات كثيرة كمؤتمر وعد بلفور "الأول" 1916م، واتفاقية سيكس بيكو "الأولى" عام 1917م، وواي ريفر، وواي بلنتيشن، إلى مؤتمرات شرم الشيخ، ومدريد وأوسلو وغيرها الكثير الكثير- وكأننا هنا نحصي المعارك العظيمة التي قابل بها الجانب الفلسطيني عدوه الصهيوني وخرج منتصرًا بعد ذلك!-، ما هي سوى سياسة "العصا والجزرة" الأمريكية ضد الطرف الفلسطيني تقوم على أساس كسب الوقت وقتل القضية.

 

لقد خسر المفاوض الفلسطيني منذ البداية، حين وافق على الولوج في عملية المفاوضات مع الطرف الصهيوني والأمريكي، دون وجود برنامج سياسي واضح يسير عليه، ولا حتى مرجعية واضحة للتفاوض، ولم يقبل الطرف الفلسطيني أن يكون العرب- على قلة حيلتهم وضعفهم-، طرفًا داعمًا له في هذه المفاوضات فكانت تخرج القرارات أحاديةً ناقصةً غير مفهومة ولا مدروسة، والنتيجة أننا كدنا نخسر قضية المسلمين الأولى ألا وهي القدس الشريف، وعودة اللاجئين فضلاً عن الأرض والمعتقلين!.

 

أحسنت فصائل المقاومة الفلسطينية التقدير والتوقيت، في إعلانها عقد مؤتمر وطني في دمشق لإنهاء الأزمة العالقة بين جميع أطياف الشعب الفلسطيني، وأكد قادة هذه الفصائل مرارًا عن نيتهم إنجاح هذه المؤتمر، كما أن الدعوة لحضور المؤتمر قد وجهت إلى حركة فتح، ورئاسة السلطة الفلسطينية؛ وذلك للتعبير عن الجدية والجاهزية التامة لعودة الحوار الفلسطيني من جديد، إلا أن حركة فتح والسلطة الفلسطينية لا زالت تتبع سياسة "التطنيش" في الرد على الدعوة لحضور المؤتمر.

 

لن يضيف مؤتمر الخريف الأمريكي، شيئًا جديدًا للشعب الفلسطيني، فالحصار الخانق، والاعتقال الممنهج، والتجويع والتخويف، من الوجبات اليومية المعتادة بالنسبة للفلسطينيين ولم يعد بمقدور الصهاينة ولا أمريكا أن يفعلوا أكثر مما فعلوا، ولن يزيد المؤتمر عن تبادل الصور التذكارية بين المجتمعين.

 

ما يُثير الاستغراب والشفقة في ذات الوقت، أنه وعلى الرغم من مسيرة الفشل الطويلة منذ أوسلو، وما جلبته على الشعب الفلسطيني من كوارث وويلات على كافة المستويات، إلا أن دعاة التفاوض الفلسطيني ومقدمي التنازلات المهينة دون قيدٍ أو شرط، يجدون في مؤتمر بوش الخريفي المتساقط القادم، فرصة العمر بالنسبة لهم، وكأنه القشة التي تعلق بها ذاك الغريق، وليس العكس، في حين أن المطلوب من المؤتمر باختصارٍ هو تمرير المشروع الأمريكي والصهيوني لا سيما بعد الضربات الموجعة التي يتعرض لها الطرفان، في الوحل العراقي والفلسطيني، ليكون بذلك الضحية هو الحل والمخرج بالنسبة للجلاد.