أشغلت أمريكا العالم بدعوتها للكثير من الدول لحضور مؤتمر الخريف، والذي يبدو لي من اسمه أنه سيكون خريفًا لا ثمارَ فيه ولا فائدةَ بل أوراقًا متساقطة وذبولاً ويبسًا لا طائل منه، ولن يتجاوز أن يكون مهرجانًا خطابيًّا ولقاءً دبلوماسيًّا لا أكثر، فمنذ متى استفادت القضية الفلسطينية من مؤتمرات ترعاها أمريكا أو غير أمريكا؟، وما مدريد وأوسلو منهم ببعيد.
عشرات السنين تضيع سدى في ردهات المؤتمرات دون جدوى ولا حلول، والحق الفلسطيني الضائع يراوح مكانه، والمحتل جاثم على الأرض يرتع فيها ويعربد، وغرف المكائد والمؤامرات تعمل ليل نهار، وأبشع صور الاعتداءات والعنف والظلم تمارس على شعبٍ صامدٍ يجاهد من أجل استرداد حقوقه.
وآخر صور هذه الاعتداءات هذا الحصار الجائر الذي يمارس على غزة بصورة مباشرة، وعلى الضفة بصورة غير مباشرة وتشارك هذه المرة سلطة "أبو مازن" الفلسطينية فيه، بعد أن باءت محاولات نشر الفوضى الأمنية في غزة بالفشل الذريع، وفي هذا الحصار يشارك أيضًا بعض الدول العربية، والتي بات الكثير منها يدور في حوض القرار الأمريكي الجائر.
وما عادت الدول العربية ملجأ يلتجأ إليه، بل الذي يلوذ إلى بعضها في المثال كالذي يلوذ بالرمضاء من النار، وفقدت الدول العربية مناعتها في التصدي للضغوط الأمريكية العنيفة، وخلط البعض بين مصالحه الضيقة وبين مصير القضية الفلسطينية، وخلط البعض بين قضايا إقليمية أخرى مستحدثة وبين قضية الأمة المصيرية، ولم يعد للعرب صورة واضحة ولا إرادة قوية ولا إمكانيات في إقرار الحل الصحيح الذي يجلب الحقوق ويرفع الظلم.
إن الدعوة لمؤتمر الخريف ليس لها ضرورة إلا في رفع الحرج عن الكيان الصهيوني وتلميعه، ومن جانب آخر منح "أبو مازن" ومن معه وقودًا للاستمرار بعد أن تفتحت الأيام عن كشف سوءاتهم وفضحت عوراتهم من الخزي في العمالة وارتهان القرار الفلسطيني للعدو الغاصب.
إن هذا التوقيت بكل المقاييس ليس هو التوقيت المناسب لإقرار أي حلٍّ للقضية الفلسطينية عن طريق هذه المؤتمرات، فلا بيت العدو الصهيوني ملائم في منحه تنازلات لا يستحقها، ولا البيت الفلسطيني ملائم في أن تستفرد فئة أقلية بالقرار الفلسطيني دون موافقة الأغلبية الديمقراطية داخل فلسطين ودون موافقة الملايين من فلسطينيي الشتات أصحاب الحقوق الكثيرة، ولا البيت العربي مؤهل كذلك للموافقة على تنازلات مصيرية خاصةً في جانب القدس والمقدسات الفلسطينية.
فالحالة الديمقراطية في الدول العربية هي الأسوأ على مستوى العالم، وما من أحدٍ يشك في أن الشعوب العربية غير راضية عن الأداء الرسمي لحكوماتها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وما من أحدٍ يشك في أن الضمير العربي سيرفض أية حلول استسلامية وأية تنازلات غير مستحقة للعدو الصهيوني، وهنا يكمن المأزق الأساسي للعرب والعالم، فتاريخيًّا لن يكون لأية تنازلات أي أثر على أرض الواقع لأن الضمير العربي سيرفضها قطعًا.
والشعوب العربية سيكون لها المبرر في رفضها؛ لأن العالم أولاً تجاهل نتائج الديمقراطية، والتي جاءت بحماس في مقدمة الركب الفلسطيني وبأغلبيةٍ كبيرةٍ لا تتأتى حتى لأي إدارة أمريكية ديمقراطية، ولأن العالم أيضًا أوغل في التحيز للمحتل الغاصب، وأكبر دليلٍ على ذلك شهادة مبعوث حقوق الإنسان الدولي من الأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية، جون دوغارد والذي دعا في نفس الوقت الأمم المتحدة للانسحاب من اللجنة الرباعية المشئومة، والتي جلبت الويلات للشعب الفلسطيني ولم تجلب له الحلول.
إن لجنة كهذه يجب أن تحل برمتها لأنها في الأصل لجنة غير حيادية وغير متوازنة، وإذا أراد العالم لجنة لتحل المعضلة فلا بد أن يكون فيها تمثيل متوازن للعرب والدول الإسلامية، فلا يبدو لي أن أحدًا من أعضائها الحاليين يفهم معاناة الفلسطينيين أو مقتنع بحقوقهم، ولا أحد معترف بنتائج ديمقراطيتهم، فمن الوجهة الأخلاقية والقانونية لم تعد لجنة قادرة على متابعة القضية الفلسطينية، ولا حتى توني بلير نفسه والذي عُيِّن مبعوثًا لهذه اللجنة، مؤهل لهذا الدور، فهو من خلفية دولة استعمارية ساهمت كثيرًا في إيجاد وتعقيد المشكلة، وساهمت كثيرًا في تسليم فلسطين لليهود، وما زالت لديها إرادة الاحتلال والظلم على شهادة وجودها كدولةٍ محتلةٍ في العراق في الوقت الحالي، فبلير والذي كان رئيسًا لوزراء بريطانيا قبل شهورٍ قليلةٍ حري به أن يكون مساءلاً وليس مسئولاً يُساهم في الحل.
وأخيرًا، هذه دعوة للعرب لكي يتنصلوا من هذا المؤتمر الجائر والذي أعلن عنه العدو أنه لن يقدم حلولاً للقضية الفلسطينية فيه، وأن ينأى العرب بأنفسهم أن يكونوا شهود زور في هذا المؤتمر المفلس، وأن يُكرسوا جهودهم لفك الحصار عن الفلسطينيين، وأن يغيثوهم بالمال والمعدات، وأن يدعموا صمودهم ومقاومتهم للمحتل، وفي نفس الوقت أن يعملوا على دحض مكائد اليهود لإفشال أمتي العرب والمسلمين، وأن يردوا مؤامراتهم في إبعاد المسلمين عن دينهم ووحدتهم وهما مفتاحا الحل الحقيقي لهذه القضية.
----------
* كاتب إماراتي