أستغربُ كثيرًا أن أغلب العواصم العربية أخذت موضوع مؤتمر الخريف على محمل الجدِّ في ظاهر الأمر على الأقل، في حين أن العكس تمامًا حاصل في "إسرائيل"، فإذا كان غاية المراد منه التوصل إلى اتفاقٍ يُسمَّى إعلان مصالح أو إعلان مبادئ، يقدم صيغة فضفاضة لا تلزم فيها "إسرائيل" بشيء، في حين يقدم فيها أبو مازن تنازلاً مغلفًا عن كل شيء، فما جدواه بالنسبة للعالم العربي إذن، وما الذي يضطر العرب إلى التورط في فضيحةٍ سياسيةٍ من هذا القبيل؟.
إن سيل التعليقات التي تنشرها الصحف "الإسرائيلية" يُعبِّر عن استخفافٍ شديدٍ بالمؤتمر والمشاركين فيه. فقد كتب ألوف بي في "هاآرتس" (6/9) يقول: إن أولمرت وأبو مازن زعيمان ضعيفان، والعملية السياسية الراهنة هي مجرد عملية من أجل العملية، وهدفها إظهار الحِرَاك السياسي لا أكثر، وهو ما يعلمه أولمرت جيدًا؛ لأنه يعي أنه لن يسفر عن أي شيء.
وربما كان ظهوره في صورةٍ واحدةٍ مع المشاركين الخليجيين في المؤتمر بمثابة إنجازٍ دبلوماسي لا بأسَ به، إلا أن النتائج السياسية للمؤتمر ستتحدد في الضفة وغزة، وليس على العشب الأخضر في واشنطن.
إما إيتان بن تسور مدير عام الخارجية "الإسرائيلية" سابقًا، فقد قال في مقالٍ نشرته "يديعوت أحرونوت" (16/8) إن الاختبار الأهم للدبلوماسية "الإسرائيلية" سيتمثل في منع المؤتمر من التحول إلى نقطة لقاءٍ بين سياسة أمريكية ضالة الطريق، وسياسة "إسرائيلية" عديمة الاطلاع؛ بحيث يتحول المؤتمر إلى محطة انتقالية أخرى في الطريق إلى اللامكان.
يوسيف لبيد، نائب رئيس الوزراء ووزير القضاء "الإسرائيلي" السابق، الذي يعتبر من أوثق أصدقاء أولمرت وأمين أسراره، كتب مقالاً في صحيفة "معاريف" تعليقًا على لقاءات أبو مازن- أولمرت، اعتبر أنه من دواعي السخرية أن يضيع الرجلان أوقاتهما على هذا النحو.
وأضاف "أن أولمرت وأبو مازن يدركان أنه لن يوجد اتفاق سلامٍ آخر الأمر على رغم محادثتهما".. وحتى إذا بقى أبو مازن على قيد الحياة بعد توصله لاتفاقٍ حول قضايا الحل الدائم، فلن يستطيع أولمرت التوقيع؛ لأن "إسرائيل" لا يُمكنها أن تُقدِّم اليوم تنازلاتٍ للفلسطينيين في الضفة الغربية، في ظل احتمال سيطرة حماس في أي لحظةٍ على الضفة كما استولت على غزة، وسيُطرد أبو مازن وسيُعلَن عن هنية رئيسًا لفلسطين الحرة، وستسقط صواريخ القسام- وصواريخ الكاتيوشا أيضًا في يومٍ من الأيام- لا على سديروت فقط بل على نتانيا، وكفار سابا، ومطار بن غوريون أيضًا- وستقطع صلة "إسرائيل" الجوية بالعالم ولا يستطيع لا أولمرت ولا باراك أن يسمحا لنفسيهما بسيناريو كهذا"، وأشار لبيد إلى معضلةٍ أخرى تكمن في عجز أي حكومةٍ "إسرائيلية" عن إزالة مستوطنات في الضفة.
المفكر والكاتب الصهيوني دورون روزنبلوم أشار في مقالٍ تحليلي في "يديعوت أحرونوت" إلى ما يُسميه بـ"عبثية" اللقاءات بين أولمرت وأبو مازن.
أما الكاتب والصحفي جدعون ليفي، الذي ينتمي الى مدرسة "ما بعد الصهيونية"، فقد سخر من لقاءات أبو مازن أولمرت، مشيرًا إلى أن حكومة "إسرائيل" هي التي ترفض المبادرات العربية للتسوية.
ثم قال "في أحلامنا الأكثر عشوائيةً لم نُصدِّق بأنه سيأتي يوم يمد فيه كل العالم العربي يده لسلامٍ بينما "إسرائيل" ترد اليد الممدودة إليها"، وأضاف "حانت لحظة الحقيقة، وهذا يجب أن يُقال: "فإسرائيل" لا تريد السلام، وقد انتهت ترسانة الذرائع وبات مخزن الرفض فارغًا؛ إذ تهاوى تمامًا الادعاء بأن "إسرائيل" محبة للسلام، ومن ثَمَّ فمن الآن فصاعدًا يجب أن يقال أن "إسرائيل" غير معنية بالسلام".
سيما كرمون المعلقة في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أصابت كبد الحقيقة حين تحدثت عن حقيقة الدوافع التي دفعت كلاًّ من أبو مازن وأولمرت لإجراء اللقاءات بينهما، وجزمت بأن الحِراك السياسي الراهن ليس سوى صدى لسيطرة حماس على قطاع غزة، فهي التي فرضت على أولمرت أن يظهر أمام العالم باعتباره الطرف الذي يساعد أبو مازن، من خلال تفريخ المبادرات السياسية التي تتشابه في التفاصيل، والتي كان من بينها مبادرة بيريز أولمرت ومبادرة رامون وغيرهم.
أما حنان كريستال كبير معلقي الشئون السياسية والحزبية بالإذاعة فقد كرر عبارته التقليدية: حتى لو قام أبو مازن بتقديم رءوس قادة حماس والجهاد الإسلامي على طبقٍ من فضة، فلن يقدم أولمرت أي شيء للفلسطينيين.
لقد نشرت "الشرق الأوسط" في الأسبوع الماضي تقريرًا لمراسلها في تل أبيب ذكر فيه ما يلي: عشية انعقاد مؤتمر القمة "الإسرائيلي" الفلسطيني، نجح رئيس أركان الجيش "الإسرائيلي" الجنرال جاي أشكناري في تكبيل يدي رئيس الوزراء إيهود أولمرت، ومنعه من تقديم أية وعود للتخفيف من معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية، مثل إزالة الحواجز العسكرية وفتح الطرقات، وروى مراسل الجريدة، الزميل نظير مجلي، تفاصيل الخطة التي اتبعها الجنرال أشكناري لإيصال الرسالة إلى رئيس الحكومة حين اعترض على إطلاق سراح بعض الأسرى الفلسطينيين بدعوى إبداء حسن النية تجاه أبو مازن ومساندته، وكانت حجة رئيس الأركان في ذلك التي سجلها كتابه، أنه لا يستطيع الموافقة على إطلاق سراح "إرهابيين" في الوقت الذي لا يزال فيه الأسرى من جنود الجيش "الإسرائيلي" في الأسر العربي، ما أراده الجيش من أولمرت هو ألا يفرض عليه إجراءات لا يريدها في الضفة الغربية.
باختصار فإن هدف الرسالة هو مطالبة أولمرت بألا يقطع على نفسه أية وعود تجاه الفلسطينيين في هذه الأمور البسيطة (ما بالك بالقضايا المصيرية) قبل أن يحصل على موافقة مسبقة من قادة الجيش، وقد وعد أولمرت بذلك على ما يبدو.. إن شئت فقل إن قادة الجيش، الذين هم أصحاب القرار في القضايا الأساسية، أرادوا من أولمرت أن يأخذ ولا يعطي، وهو الموقف الثابت "لإسرائيل" في كل جولات المباحثات مع الفلسطينيين والعرب.
ينسحب ذلك على المبادرة العربية، التي لم تعلن "إسرائيل" عن القبول بها حتى الآن، كما أنها لم ترفضها رسميًّا، ومع ذلك فإنها سعت لأن تأخذ منها الشق الخاص بالتطبيع مع الدول العربية، دون أن تدفع المقابل الذي نصَّت عليه المبادرة والمتمثل في الانسحاب من الأراضي التي احتلت في عام 1967م.
ورغم رفضها الضمني للمبادرة فإنها استقبلت وفدًا للجامعة العربية الذي زار تل أبيب "لشرحها"، وقرأنا قبل أيامٍ أن وزير خارجية البحرين التقى وزير الخارجية "الإسرائيلية" في نيويورك.
وحين سُئل الوزير البحريني عن الهدف من المقابلة قال إنها "لشرح المبادرة"!- حتى "خارطة الطريق" الشهيرة فإن "إسرائيل" لم تتمسك بشيء فيها سوى مرحلتها الأولى التي نصت على تجريد فصائل المقاومة من السلاح، ووقف كل أشكال التحريض ضد "إسرائيل"، إلى جانب إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية.
ثمة إجماع "إسرائيلي" لا يتزحزح حول لاءات هي: لا لعودة اللاجئين- لا للعودة إلى حدود عام 1967- لا للحديث عن القدس- لا لتفكيك المستوطنات.
وهذه اللاءات كلها تصبُّ في وعاء الأخذ، والمطلوب إسرائيليًّا أن يتم ذلك كله بدون مقابل أو بمقابلٍ إعلامي يمرر المسألة ولا قيمة له على أرض الواقع.
حيث يعترف مثلاً بمعاناة اللاجئين وبحقهم في العودة، ولكن إلى الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، ولا مانع من عودة رمزية إلى "إسرائيل" لمائة ألف فلسطيني (من بين أكثر من أربعة ملايين لاجئ في المنافي والمخيمات) بشرط الموافقة "الإسرائيلية" المسبقة وفي إطار لم الشمل (هؤلاء موجودون فعلاً في داخل "إسرائيل" حيث جاءوا لزيارة أهاليهم ولكنهم بقوا هناك بصورةٍ غير شرعية).
ولا مانعَ من إخضاع بعض الأحياء المتطرفة شرقي القدس للسيادة الفلسطينية، لتصبح عاصمة وهمية للدولة الفلسطينية؛ لأن مؤسسات السلطة ستبقى في رام الله- وستظل المستوطنات في مكانها في الضفة فوق الأراضي الخصبة ومصادر المياه، وستضم إلى "إسرائيل"، ولكن الفلسطينيين سيُعطون أراضي مماثلة في صحراء النقب، بحيث تسلم السلطة نفس المساحة التي تم احتلالها عام 67.. وهكذا.
المفاجأة الكبرى أن ذلك كله وافقت عليه رئاسة السلطة الفلسطينية، كما تذكر التقارير الصحفية، أما المفاجأة الأكبر فإن "إسرائيل" لم تعد بتقديم أي شيءٍ لقاء هذه التنازلات، بحيث أصبح المطلوب أن يأخذ "الإسرائيليون" كل شيء، في حين يأكل الفلسطينيون الهواء.
وهذه هي القضية التي يمكن أن يسفر عنها مؤتمر الخريف، إذا تكللت جهود عقده بالنجاح.
أما أم المفاجآت فهي أن بعض الدول العربية دُعيت لكي تكون شهودًا على القضية، وبعضها قبل- يا ويلاه.
------------
* الشرق الأوسط 17/10/2007م