بعد مناقشة طويلة استمرت عدة ساعات وافق البرلمان التركي مساء اليوم الأربعاء 17/10/2007 بالأغلبية وبعدد 507 أصوات على مذكرة الحكومة التي تقضي باستخدام القوات المسلحة التركية لمدة سنة في عمليات عسكرية ضد منظمة حزب العمال الكردية PKK الانفصالية الموجودة داخل الحدود الشمالية العراقية.
كان البرلمان التركي عقد جلسةً عصر اليوم لمناقشة المذكرة الحكومية المتعلقة باستخدام القوات المسلحة في عمليات خارج الحدود (شمال العراق) لمدة سنة من تاريخ موافقة المجلس؛ حيث صوَّت لصالح المذكرة عدد 507 أعضاء واعترض عليها عدد 19 عضوًا من جملة عدد 526 عضوًا شاركوا بالتصويت.
وقد ألقيت في الجلسة البرلمانية كلماتٌ ومداخلاتٌ من طرف الأحزاب البرلمانية والأعضاء، تعلَّقت حول موقفها من مذكرة التدخل العسكري بالعراق؛ فقال نائب رئيس الحكومة والمتحدث الرسمي باسمها الوزير جميل شيشك: "إن تركيا دولة مهددة بالإرهاب؛ ولذا من حقِّها أن تستخدم القوة العسكرية لمواجهة المنظمة الكردية بشمال العراق، خصوصًا وقد قدمنا آلافًا من الشهداء ومليارات من الأموال، ونفد صبرنا، وحزبنا يتحرك لأجل الحفاظ على الدولة والوطن، وليس لدينا أهداف حزبية.. إن مواجهة الإرهاب مسئولية الدولة والمذكرة الحكومية لم تقدم للمجلس دون استشارة مؤسسات الدولة المعتبرة".
الوزير عدَّد أمام المجلس ما الذي كان يمكن أن تقوم به المليارات من الدولارات التي أُنفقت على مواجهة الإرهاب، وقال "إن منطقة جنوب شرق تركيا- منطقة كثافة السكان الأكراد- هي الأكثر ضررًا من أحداث الإرهاب، وإن الهدف من هذه المذكرة هو حماية وطننا ودولتنا ومصالحها وموجَّهة ضد الإرهاب".
التدخل لن يسمح بإشعال حريق كبير
أما ممثل الأغلبية البرلمانية لحزب العدالة والتنمية AKP العضو أرجُون فقال في كلمته: "إن الدفاع عن النفس حق مشروع، ولسنا في مغامرة ومنذ عام 1984، ونحن نعاني من الإرهاب وبلائه، وهناك دعمٌ، وتركيا لا يمكن أن تقف بعيدةً أو مكتوفةَ الأيدي عن التطورات التي تقع بالعراق، إن ما وصلنا إليه اليوم هو نتيجة طبيعية لصبرنا، والمذكرة تبين أننا وصلنا في صبرنا لنهايته، وليس مقبولاً وصف المذكرة الحكومية بالخيال أو بالأمر الشكلي، لقد تحول العراق مع الاحتلال لمركز للمنظمات الإرهابية، وكان المفروض على الحكومة العراقية أن تتخذ خطواتٍ ضد منظمة حزب العمال الإرهابية، خصوصًا وأن مكانها معلومٌ بالعراق.. إن هذه المذكرة الحكومية ستقي الدبلوماسية التركية، وهي فرصة جديدة أمام أمريكا والعراق لإعادة النظر في موقفهما، وحين تستخدم القوات المسلحة التركية هناك لن تعطي الفرصة لإشعال حريق كبير".
الجمهوري والقومي مع الحرب
شكري ألاك داغ- نائب رئيس الحزب الجمهوري (سفير متقاعد) CHP الممثل للمعارضة البرلمانية الرئيسة- قال: "سبق لحزبنا أن أعلن عن دعمه لاستخدام القوة العسكرية للقضاء على المنظمة الإرهابية ومواجهتها دون تردُّد؛ لأن المواجهة مع الإرهاب مسألة قومية، ويجب على الجميع الدعم، والمسألة لا مجال فيها للمناورات السياسية، وسيكون مناسبًا تشكيل هيئة قومية لمواجهة الإرهاب، وإن البلاد في حالة تهديد من طرف المنظمة وكذا بيجاك الإيرانية، وهناك سعيٌ لتقسيم البلاد وتمزيق وحدتها والسعي لإقامة دولة كردية مستقلة تكون في المستقبل دولةَ كردستان، والبرزاني يستخدم هذه المنظمة كقوة مسلَّحة للمساومة بها مع تركيا، وقد أفلست سياسة أمريكا بالمنطقة، ونذكِّر هنا بما ذكره الجنرال سانشيز حول الكابوس العراقي، وأمريكا اليوم تريد تقسيم العراق لكي تظهر أمام شعبها بأن هناك أهدافًا ونتائجَ من الغزو العراقي، وهي تسلح منطقة شمال العراق، ويتم تغيير أوضاع كركوك لتهميش حقوق التركمان.
وأضاف: لقد أبلغت مسئولين بالإدارة الأمريكية أن عدم كبح جماح المنظمة ودعم إقامة دولة مستقلة بالشمال العراقي سيلحق الضرر بعلاقتنا معكم، وإن سياسية أمريكا بالعراق تتعارض مع مصالح تركيا، وإن الرأي العام التركي لم يستوعب بعد حجم التهديد الموجه للبلاد، لا يجب أن يكون الهدف هو تجميد تحركات المنظمة، بل يجب أن يتم أيضًا منع الدول التي تؤيد هذه المنظمة الإرهابية، نعرف أن هناك العامل الأمريكي في المشكلة، لكنْ هناك أيضًا إحساسٌ بأمريكا بأن الدولة التركية لا حول ولا قوة لها، ومن هنا يجب على الحكومة تصحيح هذه النظرة الأمريكية، وأن نظهر إرادة سياسية قوية، وإذا لم تطلق الرصاصة لن يكون بإمكانك الحصول على شيء، وعلى أمريكا أن تختار بين المنظمة وتركيا؛ لذا سنؤيد المذكرة بكل قوة.
يجب ضرب أكراد العراق أيضًا
حزب الحركة الوطنية (القومي المتشدد) MHP الذي يوجه انتقاداتٍ شديدةً للحكومة في تعاملها مع ملف المنظمة الكردية تحدث باسمه أحمد بُولوك باشي (سفير متقاعد)، فقال: "وفقًا للمادة 92 من الدستور يحق استخدام الجيش في عمليات خارجية بقرار من البرلمان، لقد سبق للبرلمان أن أعطى للحكومة حق استخدام الجيش بعمليات عسكرية بشمال العراق، لكن الحكومة لم تستخدم هذه القرارات بضغوط أمريكية، وهذه المرة نأمل من الحكومة عدم التراجع عن استخدام القرار الجديد، خصوصًا أن التهديدات الإرهابية مستمرة على كل الأصعدة، ولقد فهم أن أمريكا لن تتخذ أي خطوات في هذا الصدد، والدولة العراقية غير قادرة على فعل شيء مع سيطرة البرزاني على الشمال، لقد وصلنا لحالة سرعة القيام بهذه العمليات.
وأضاف منتقدًا الحكومة قائلاً: "الحكومة لم تُظهر الإرادة اللازمة، أو تعاملت مع المشكلة بجسارة وشجاعة، وتحوَّل الأمر إلى نوعٍ من التظاهر بمكافحة الإرهاب، ويتراجع رئيس الحكومة مع كل ضغط أمريكي أو تصريحات من قادة شمال العراق أو البشمرجة (الميليشيات المسلحة الكردية) الكردية، إنه ليس مقبولاً أن يترك أمن تركيا لإنصاف البشمرجة، لقد تأخرنا كثيرًا في القيام بعمليات هناك، والوقت حان، وكانت الحكومة تتعلل بعدم وجود طلب من الجيش، إن حزبنا يؤمن بأن مثل هذه العمليات ستكون مفيدةً وستحقق أهدافًا حيويةً".
محسن يازجي أوغلو- رئيس حزب الاتحاد الكبير BBP الممثل للتيار القومي المعتدل- قال: من اللازم إعمال العقل ومراعاة أمور كثيرة، ولكن الواضح أن الإرهاب يتلقَّى العون والمساعدة من الخارج؛ ولذا فحزبنا يدعم هذه المذكرة.
العضو حسين بازارجي من اليساري الديمقراطي DSP- يسار الوسط- ذكَّر بما ينص عليه القانون الدولي من حق الدول في مواجهة الإرهاب، وقال إن استخدام تعبير "حق الدفاع عن النفس" في هذه العمليات يمكن أن يولِّد مشكلةً لتركيا بعد يوم أو يومين من بدء العمليات أمام المجتمع الدولي، وطالب بعدم الاستناد لهذا المبدأ القانوني، وذكر العضو بأن تركيا سبق وقامت بعدد 24 تدخلاً عسكريًّا بشمال العراق بالاتفاق مع حكومة بغداد برئاسة الرئيس الراحل صدام حسين، غير أن قوات المطرقة التي كانت تقودها أمريكا بجنوب تركيا بقرار من مجلس الأمن الدولي حالت منذ عام 1991 دون استمرار ملاحقة المنظمة الإرهابية.
أكراد تركيا
أكراد تركيا بجناحهم اليساري السياسي الممثَّل في حزب المجتمع الديمقراطي DTP الذي يعارض داخل المجلس النيابي التركي، يرفض استخدام القوة المسلحة في التعامل مع منظمة حزب العمال، ويرفض التدخل في شمال العراق؛ لذا قال صلاح الدين دميرطاش- وكيل رئيس المجموعة البرلمانية- أمام المجلس: "من اللازم البحث عن حلول سياسية، وأن يتم التراجع عن أسلوب التهديد والوعيد، وننتظر من البرلمان أن يقوم بحل مشاكل المجتمع، وأن يثق كل شخص في هذا المجلس، ومن اللازم تقييم الخيارات البعيدة عن الحل الأمني، ولا يجب أن تلقى تركيا في موقف صعب أمام المجتمع الدولي، كما أن هناك خطورةً نحو إغراق تركيا في مستنقع العراق الذي يعيش تحت الاحتلال، والقيام بعمليات عسكرية خارجيًّا يعني المزيد من الفقر والتراجع عن الديمقراطية بالمجتمع، ونحن نتمنَّى عدم استخدام قرار المجلس بالموافقة على التدخل لكي لا تسفك دماء ولو شخص واحد، لكل هذا نحن لن نصوِّت لصالح المذكرة الحكومية"، في نفس طريق الاعتراض على استخدام الجيش للتدخل بشمال العراق.
وقال أفق أوراس- رئيس حزب الحرية والديمقراطية ODP- يساري- إن التدخل يعني الصدام مع الشعب العراقي، ويمثل خطورة كبيرة، وسبق لتركيا أن جرَّبت هذا الطريق ولم يحدث ما طلب ورغب، من ثم يجب البحث عن أساليب أخرى غير القوة المسلحة، وحزبنا لا يؤيد هذه المذكرة، ولن يصوِّت لصالحها.