أكد الرئيس الأمريكي أن التقدم في الملف النووي الكوري درسٌ يمكن الاستفادة منه في معالجة الملف النووي الإيراني، مما قد يدفع إلى الاعتقاد بأن الملفين متشابهان، والدرس في الأول مفيد للثاني، وهذا افتراض يحتاج إلى دراسة وتمحيص.. فمن الواضح أن كوريا الشمالية بظروفها ودوافعها لإنتاج السلاح النووي وهي تتضور جوعًا وبحاجةٍ ماسةٍ إلى الطاقة والغذاء تقف على طرفي نقيض مع إيران التي تتمتع بكل مصادر القوة والثراء.
من ناحيةٍ أخرى فإنه ليس صحيحًا أن الملف الكوري قد تمَّت معالجته تمامًا بحيث يمكن الاستفادة به في معالجة الملف الإيراني، في الوقت الذي تتوارد فيه تقارير مكثفة حول فشل الجولة الأخيرة من المحادثات السداسية في بكين، واختلاف التقديرات الأمريكية المتفائلة للغاية عن التقديرات الكورية المتحفظة، فضلاً عن الاتهامات الأمريكية لكوريا الشمالية بأنها لا تزال بحاجةٍ إلى المزيد من الشفافية والمصداقية.
ويتوازى ذلك مع تصريحاتٍ صينيةٍ متفائلة، بينما اليابان تقرر استمرار الحظر على كوريا الشمالية ستة أشهر أخرى، في الوقت الذي يقرر رئيس كوريا الجنوبية زيارة كوريا الشمالية وعبور خط الحدود 38 عرض على قدميه، في إشارةٍ رمزيةٍ لإزالة خط التقسيم الوهمي.
وقد جعل وضع كوريا الشمالية الجغرافي للصين ثم روسيا دورًا في مناهضة الولايات المتحدة من خلال هذا الملف، لدرجة أن واشنطن تعتمد على بكين في الضغط على كوريا الشمالية كجزءٍ من رؤية أمريكية للاعتراف بدورٍ للصين في منطقتها، وظهر ذلك جليًّا عندما عهدت واشنطن إلى بكين بالدور الأول في تسوية الأزمة في ميانمار والتأكيد على مركزية الدور الصيني رغم تحفظ واشنطن وخشيتها من نمو المارد الصيني الهادئ بطريقةٍ ناعمة ولكنها واثقة.
من ناحية خامسة، فإن الخلاف الأمريكي- الكوري ينحصر في الملف النووي، فلو تخلت كوريا الشمالية عن طموحاتها النووية؛ وذلك بإشباع الحاجات التي دفعتها إلى الصناعة النووية، سواء كانت حاجات مادية أو نفسية أو أمنية، فإن الملف سيغلق تمامًا، خاصةً أن كوريا الشمالية بتسلحها النووي والصاروخي قد أثارت الذعر في مثلث خطر على السياسة الأمنية الأمريكية مع كوريا الجنوبية، واليابان وكشفت للدولتين حدود الاعتماد على الضمانات الأمريكية في تأمين البلدين.
أما الوضع الإيراني فلا يجمع بينه وبين الوضع الكوري من جهة النظر الأمريكية سوى أنهما- إيران وكوريا الشمالية- من أضلاع محور الشر بعد زوال العراق، كما أن كليهما في المنظور الأمريكي يزودان القوى المناهضة للولايات المتحدة بالصواريخ وربما بالخبرة النووية.
وأول ما يلفت النظر في الوضع الإيراني هو أن المشكلة الأمريكية مع كوريا الشمالية محصورة في الملف النووي، أما مع إيران فإن الملف النووي ليس إلا عرضًا لوضعٍ أعرض وأعمق؛ ذلك أن موقع إيران بجوار آبار النفط، وقدراتها النفطية والعسكرية والسياسية وقربها من "إسرائيل" جعلها التحدي الأكبر للسياسات الأمريكية سواء في مجال تأمين النفط، أو تأمين الدول الحليفة لها في الخليج، أو تهديد "إسرائيل"، خاصةً بعد الخطاب السياسي الحاد الذي اعتنقه نجاد ويكرره في كل مناسبة، أو تهديد الوجود والمصالح الأمريكية في العراق.
وليست إيران فقط عقبة في سبيل تمرير السياسات الأمريكية والوجود العسكري والبحري والبري في الخليج، ولكن إيران، وهو الأخطر، تلح على أن تقتسم النفوذ مع الولايات المتحدة في المنطقة.
وهكذا أصبح المنظور الإيراني والأمريكي والعربي متناقضًا؛ ذلك أن إيران تضع حدودًا قصوى في كل الملفات في وجه الولايات المتحدة لعلها تضعف القوة الأمريكية أو تحصل منها على صفقة تنتصر بها لحلفائها وتحقق بها مصالحها الإقليمية؛ لكن يلاحظ أيضًا، من ناحية أخرى، أن الملف النووي في الحالتين الكورية والإيرانية عملية وظيفية وإنمائية، أي أن إثارة الملف لا تهدف إلى رغبة حقيقية في حيازة الطاقة والقوة النووية، بقدر ما تسعى الدولتان إلى توظيف هذه الملفات لتحقيق أولوياتهما التي أشرنا إليها وأهمها الطاقة والأمن لكوريا الشمالية، والدور السياسي لإيران.
ولذلك فإن التركيز على الملف النووي واعتباره الأساس هو طريق للتغطية على حقيقة الصراع الأمريكي- الإيراني.
والدليل على ذلك أن الصراع لن يتوقف إذا أعلنت طهران اليوم وقف التخصيب والتأكيد بكل الطرق التي تريدها واشنطن للتحقق من أن برامجها النووية غير عسكرية؛ لأن أدوار إيران في العراق، ولبنان وفلسطين، وأفغانستان هي مناوأة حقيقية للمصالح الأمريكية الهدف منها ليس الإضرار بهذه المصالح وإنما للضغط على واشنطن لدفع ثمن عدم المساس بها أو التفاهم حول ترتيب المصالح المتبادلة حول هذه الملفات التي شهدت استقطابًا مخيفًا.
وبالطبع فإن المنظور العربي غائبٌ تمامًا في هذا المشهد الذي يشغل مساحةً واسعةً من العالم العربي وكتلة هائلة من سكانه ودوله، ولكن لأن هذه الكتلة تتعارض مع أهم المصالح الأمريكية، وهي "إسرائيل" والنفط، فإن الرغبات "الإسرائيلية" والمنظور "الإسرائيلي" هما اللذان يمليان ويرسمان المنظور الأمريكي الذي يريد متكئًا هادئًا "لإسرائيل" يتيح لها الهدوء والاستسلام لرغبات وتنفيذ المشروع الصهيوني بسهولةٍ ودون مقاومةٍ وبلا مقابل لإيران أو لغيرها.
بقيت الإشارة إلى الأسلوب الأمريكي في التعامل مع الملف الكوري، وهو دراسة احتياجات كوريا وليس من بينها دور سياسي، كما أن الموقف الأمريكي متأثرٌ باعتبارات الاستراتيجية الأمريكية في أسيا والخوف على أمنها القومي المباشر من أي مغامرات كورية؛ أي أن "إسرائيل" ليست طرفًا في القرار الأمريكي، وعنصرًا ضاغطًا على أعصاب صانع القرار في البيت الأبيض كما هو الحال مع إيران.
وقد اعتمدت واشنطن على فرض عقوبات دولية وأمريكية وشجَّعت الصين على أن تكون طرفًا في حزمة الضغوط والتعامل مع الملف الكوري، فضلاً عن إشراك اليابان بالعقوبات والمكافآت وكوريا الجنوبية بالثواب والعقاب والاحتواء، وهذه الأساليب هي التي دفعت كوريا الشمالية إلى تجربة التسوية مع واشنطن رغم سوابق إحباطها من الاحتيال الأمريكي.
والخلاصة أن درس كوريا الشمالية لم يتبلور بعد حتى يمكن الاستفادة منه، كما أن ظروف كوريا الشمالية تختلف تمامًا عن ظروف إيران، ولكن التسوية في كوريا الشمالية قد تكون لها ميزة أخرى لواشنطن، وهي منع التضامن الإيراني الكوري ضد واشنطن، وهو أمر حاولته إيران وهي تدرس تطورات الملف الكوري في إحدى مراحل تطوره.