الأسس والمنطلقات.. الدعائم والركائز.. احترام الحقوق الأساسية للمواطنين
بقلم: د. عصام العريان
أصبح مصطلح "حقوق الإنسان" لصيقًا بالنطم الديمقراطية، وباتت مسألة حقوق الإنسان والموقف منها أحد أهم القضايا الثقافية الأساسية لبيان مدى اقتراب وابتعاد حضارة ما أو ثقافة معينة من الأسس الديمقراطية، بل أصبح الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الحريات الأساسية منطلقًا للتدخل الأجنبي في الشئون الداخلية للدول الأجنبية، كما كانت ذريعة "نشر حضارة الرجل الأبيض" في العهود الاستعمارية سببًا لمدِّ مظلة الاحتلال والاستعمار على قارتي آسيا وإفريقيا.
واليوم نرى أن احتلال العراق بعدة أسباب انهارت جميعًا، مثل امتلاك أسلحة الدمار الشامل، أو صلة النظام العراقي البعثي الصدامي بتنظيم القاعدة، ولم يبقَ من سند أخلافي أو مبرر إنساني إلا رفع شعار حماية العراقيين من بطش النظام، وفرض احترام حقوقهم الإنسانية الأساسية، أو فرض نظام ديمقراطي حقيقي يمكن أن يكون نموذجًا يحتذي به بقية دول المنطقة، وكانت الكارثة التي نراها ماثلةً أمام أعيننا اليوم في مأزق تعدى العراق إلى كل المنطقة وتعدى إفريقيا إلى بقية العالم.
ولا نبتعد كثيرًا إذا شاهدنا التهديدات الأوروبية، خاصةً من جانب فرنسا وإنجلترا ثم الاتحاد الأوروبي، والقرارات الدولية التي تنهمر من مجلس الأمن الدولي ضد السودان، الهدف منها حماية أهل دارفور أو بالأحرى حماية حقوقهم الإنسانية.
الحقيقة الأساسية أنه لا يمكن أن نصف نظامًا ما بالديمقراطي إلا إذا كانت إحدى خصائصه الأساسية وسماته الأصلية احترام كرامة الإنسان، بغض النظر عن دينه أو عرقه أو طبقته أو وظيفته أو جنسه، وهذه الخصيصة أقدم من ميثاق حقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقد عد الباحثون إخراج النساء والعبيد وغيرهم من إطار الديمقراطية اليونانية في أثينا وإسبرطة وتلك الرومانية في روما وإمبراطوريتها علامةً على عدم اكتمال الديمقراطية في تلك الحقبة القديمة.
معيار حقوق الإنسان مختلف من ثقافة إلى ثقافة أخرى، ويحمل ميراثًا حضاريًّا من أمة إلى أخرى، ولا يمكن للحضارة الأوروبية الغربية ذات الجذور اليهودية المسيحية أن تفرض رؤيتها على بقية الحضارات الشرقية الأقدم منها والمتجذِّرة في شعوبها، والتي شكَّل الإسلام مرجعيةً عقيديةً أو حضاريةً لها على اختلاف أديانها السماوية الإبراهيمية الثلاث أو مذاهبها واختلاف أعراقها وأجناسها.
جاء الإسلام ليقرر كرامة الإنسان من حيث النشأة والخلق، ويساوي بين الناس جميعًا؛ لأنه ردَّ الناس جميعًا إلى أصل الخليقة؛ فهم كلهم من آدم وآدم من تراب، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ (الإسراء)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الناس كلهم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى"، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13)، وجاء في الأثر: "الناس سواسية كأسنان المشط".
وساوى الإسلام في عصوره الذهبية- منذ صدر النبوة- بين السادة من قريش وبين العبيد، كبلال الحبشي والمُحَرَّرين كصهيب الرومي، وكذا الغريب كسلمان الفارسي، كما قررت الشريعة حقوقًا متساويةً للرجال والنساء، في التكليف بالإيمان والالتزام بالشرائع، والحض على التعلم، والقدرة على العمل والكسب، والحق في التملك، ولم تجعل الشريعة تلك المساواةَ فضلاً من أحد على أحد، ولا فريةً لأحد على أحد، وأي نتيجة صراع بين جنسين، بل هي مقررة من الخلق المصوَّر الذي نزل الشرائع وحدد الحقوق والواجبات.
![]() |
وهذه المساواة ليست تعني كما يريد البعض التماثل، فهناك تكامل في الوظائف والمهام بين الذكور والإناث؛ لذلك عندما يعيب غير المدققين أو المحققين أو غير المختصين على بعض النصوص الشرعية في ذلك المجال، مثل الحقوق والواجبات في الحياة الزوجية أو حقوق الميراث، فهو إنما ينظر نظرةً قاصرةً ويُسقِط صراعاتٍ اجتماعيةً في مجتمعات غير إسلامية شهدت ظلمًا فادحًا للنساء على مدار التاريخ في فهم النصوص المقدَّسة عند أهل الكتاب؛ لدرجة تحميل حوَّاء مسئولية الخروج من الجنة، على عكس ما أثبته القرآن الكريم، والشك في سلوك المرأة على مدار التاريخ، وحرمانها من حقوقها السياسية والاقتصادية حتى بداية القرن العشرين.
إن الإسلام قرر المسئولية المشتركة بين آدم وحواء، والتكافل فيما بينهما، وأثبت الحقوق السياسية للنساء.. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: من الآية 71)، وأثبت الحقوق المالية للزوجات: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (النساء: من الآية 24)، ومنع ظلم المطلقات: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (النساء: من الآية 20)، وقرَّر حقَّها في الميراث في زمن كانت المرأة محرومة من كل شيء بل يتم معاملتها مثل متاع البيوت، وهي نفسها يتوارثها الرجال.
أهم الحقوق الإنسانية التي يحميها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان كفلها الإسلام بنصوص إلهية مقدسة أو بنصوص نبوية أكدتها التطبيقات الإسلامية في العصور الزاهرة.
هناك شبهات حول مسألة أو أكثر يمكن مناقشتها كما هو الحال مع المرأة، وهناك شبهاتٌ حول قضايا تاريخية انتهت بتطور تاريخي واجتهادات فقهية ومعاهدات عالمية، مثل "العبودية والرق"، لكن الأسس التي قام عليها الميثاق العالمي والحقوق الأساسية كسلامة الجسد ومنع التعذيب، ومنع الاعتقال والاحتجاز دون سند من القانون، وحرية الرأي، وحرية الاعتقاد، كما سبق بيانه في هذه السلسلة.
قد يثير البعض أيضًا مسألة تغيير الدين والتحول من دين إلى آخر، وهذه قضية يمكن مناقشتها أيضًا، وهناك اجتهادات حولها؛ لأن الأصل هو عدم الإكراه على الدين ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256) كما سبق بيانه، وهناك ملايين المسلمين في بلاد العالم شتى لم نجد ظاهرة التحول عن الإسلام إلى غيره من الأديان، بل هي حالات فردية على مدار تاريخ الإسلام كله.
إذن.. نستطيع أن نقرر أن بناء نموذج ديمقراطي إسلامي يجد سندًا قويًّا في احترام الإسلام لكرامة الإنسان وحفظه لحقوق كل البشر، مسلمين وغير مسلمين، مؤمنين وكافرين.
