أحد أهم أسس النظم الديمقراطية اليوم هو حرية الرأي والاعتقاد، مع الحق في الاحتفاظ برأيك إذا خالف الأغلبية، وينضم إلى ذلك تنظيميًّا: الحق في المعارضة، والتكتلات التنظمية في المجال السياسي، في صورة أحزاب سياسية تلتقي على برامج للنهوض بالمجتمع، وتعمل في إطار الدستور والقانون بطريقة سلمية بعيدة عن العنف، وتسعى إلى الوصول إلى الحكم عبر حيازة ثقة الجمهور العام وجمع الناخبين في انتخابات دورية، وتهدف إلى البقاء في الحكم بتنفيذ برامجها لتحقيق رفاهية المجتمع وأمنه واستقراره؛ بحيث تصوِّت لها الجماهير في الانتخابات الدورية، فإذا فقدت ثقة الناس تخلَّت عن الحكم طواعيةً، وسلَّمت إدارة شئون البلاد إلى الحكومة المثالية، وهكذا بسلامة. ولا يقتصر الحق في التنظيم وإبداء الرأي في الشأن العام على المجال السياسي، بل يتسع في النظم الديمقراطية إلى مجالين آخرَين: الأول: الصحافة الحرة المستقلة، والإعلام النزيه الموضوعي. الثاني: المجتمع الأهلي أو المدني، بعيدًا عن المجال السياسي المباشر، وهذا المجال يتسع للجمعيات الأهلية في كافة المجالات ومناشط الحياة، خاصةً مجالات البيئة وخدمة المجتمع والشئون التعليمية والصحية وغيرها، كما يتسع أيضًا- كما هو واضح الآن- لجمعيات حقوق الإنسان التي تدافع عن الحقوق الأساسية للمواطن، مثل حرية الرأي، والحق في سلامة الجسد وضد التعذيب، بل اتسعت لتشمل الآن المجال الدولي، مثل حركات عالمية ضد انتشار الأسلحة النووية، وتلك التي نشأت في العقد الأخير "ضد الحرب"، وتلك أيضًا ذات الطبعة اليسارية "ضد الإمبريالية والعولمة" أو التي تُعنى بالبيئة مثل "جرين بيس" Green Peace السلام الأخضر. وقد تتحوَّل بعض تلك الجمعيات إلى المجال السياسي المباشر، مثل أحزاب الخضر التي انتشرت خلال العشرين سنة الأخيرة في أوروبا، وتُعتبر هذه الدعامة من أهم دعائم وأسس النظم الديمقراطية الحديثة، بل يتم وصفها بوصف الجمعيات الحرة نسبةً إلى حرية الرأي والعقيدة والإعلام. لا يبتعد الإسلام كثيرًا عن أسس الحية ودعامة الرأي الحر، بل يحرص على تدعيم هذه القيمة الأساسية في المجتمع بصورة متوازنة تحقق الصالح العام وتحفظ حقوق الأفراد. يبدأ الإسلام بإقرار حرية الاعتقاد بالآية الكريمة (لاَ إِكْرَاهَ فِيْ الدِّيْنِ)، ويحرص الإسلام على حق كل إنسان في اختيار دينه وعقيدته؛ فيقول الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلاَ أَنَتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلاَ أَنَا عابدٌ مَا عَبَدتُّمْ* وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُوْنَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِيْنُكُمْ وَلِيَ دِيْنٌ). وطالما أقر بالحق في الاعتقاد والاختلاف في الدين، فيتبعه الحق في العبادة وإظهار الشعائر الدينية، وعاشت في ظل المجتمعات الإسلامية طوال 14 قرنًا طوائف عدة من الأديان السماوية؛ كاليهودية والنصرانية وعقائد ومذاهب أرضية لا يعلم أحد جذورها، وما زالت إلى يومنا هذا كالزرادشتية في بلاد إيران (فارس) واليزيدية والصابئة في بلاد العراق والهندوسية والبوذية تحت حكم سلاطين المغول في الهند. أما حرية الرأي والجهر به ونبذ التقليد والتشجيع على الاستقلالية في الفكر، فيكفي حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان (إمام) جائر" وحديث آخر: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". وفي مجال نبذ التقليد والدعوة إلى استقلالية الرأي والفكر؛ نجد القرآن الكريم عاب في مواضع عديدة على أقوام قالوا هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وأمر بإعمال العقل والفكر، وجاءت خواتيم مئات الآيات القرآنية (أَفَلا تَعْقِلُون).. (أَفَلاَ تَتَفَكَّرُوْنَ).. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ) أي ذوي العقول، ودعا إلى النظر في آيات الله الكونية (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِيْ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ) والتدبر في آيات الله المقروءة (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مّدَّكِرٍ) وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُوْنَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوْبٍ أَقْفَالُهَا)، وللدعوة إلى الحوار والتفكير والنظر.. يقول تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُوْمُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)، والقرآن يدعو إلى الحوار والمحاورة بكل الأساليب لمن تدبَّر فيه (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ). وعاشت أمة الإسلام عصورَها الذهبية في صدر الإسلام وحتى نهاية عصر الدولة العباسية الأولى، ثم في المرحلة المضيئة التي جاءت خلال عصور التخلف والتدهور لتثبت قدرة الأمة الإسلامية على استعادة العافية من جديد؛ فتنهض من بعد كبواتها؛ فقد عاشت تتأرجح بين تقدم وتخلف، ولكن المنحنى العام كان غالبًا في انحدار باستمرار. اليوم تعيش الأمة حالةً من القهر والاستبداد تعصف بكل ألوان الحريات العامة، وليس فقط حرية الرأي والفكر، بل تعدت ذلك إلى المساس بحرمة الجسد بالتعذيب المنهجي البشع والقتل خارج إطار القانون والاختفاء القسري، ويحاول بعض العلمانيين المتطرفين ودعاة الحداثة والتعذيب واللحاق بالغرب أن يشوِّهوا صورةَ الإسلام نفسه، وليس محاربة التيارات الإسلامية الفكرية والسياسية. ويجد هؤلاء غايتهم في بعض الإسلاميين المتشددين أو المتربصين بدعاه التخريب أو دعاة التفلت من الشعائر والطقوس الإسلامية والمتمسكين بالهدي الظاهر على حساب القيم والمبادئ الإسلامية، أو لا يقدرون على الموازنة بين ما هو يستحق الجهاد من أجل ترسيخه في المجتمع وضروري للنهضة والانطلاق، وبين ما هو يتبع الأصول ويتلو القواعد من بنيان عال سامق شامخ.. يجدون غايتهم للتعميم وسحب ممارسات هؤلاء الغيورين من غير محمل صحيح على كل التيار الإسلامي، وينسون أن كبرى الحركات الإسلامية لا تقوم بمثل هذه الممارسات، فيتم تضليل الرأي العام. ولكن للأسف الشديد وجدنا ممارسات بعض الحكومات التي انتستب للتيار الإسلامي العريض لا تعطي صورةً صادقةً عن حرص الإسلام على حرية الرأي والفكر وحماية حرية الاعتقاد، وكان ذلك قديمًا في الدولة العثمانية المستبدة، وعاشت باكستان الإسلامية غالبية عهودها بعد تأسيسها في ظل حكومات عسكرية استبدادية. وقبلها كانت المملكة السعودية تعرف حرية الرأي في مجالس الملوك منذ عهد مؤسسها المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود، ولكنها عاشت في ظل مذهب فقهي واحد؛ هو المذهب الحنبلي ومدرسة فقهية داخلية وهي مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتم إقصاء بقية الآراء كلها وعدم الأخد بها، لا في الفتوى ولا في القضاء؛ مما ضيَّق على الناس وعلى الحكومة وعلى الدولة كلها، وطبعًا تم التضييق في المجال العام على حرية إصدار الصحف وحرية الإعلام تحت ذرائع كثيرة، منها حماية الأخلاق والحفاظ على الشعائر الإسلامية. وجاءت الثورة الإسلامية الإيرانية لتعطي انفراجةً إلى حدٍّ ما، لكن ما زال التضييق المذهبي الشيعي الجعفري الإثني عشري، وظروف الثورة الشعبية التي أطاحت بأقدم العروش في العالم عرش الطاووس، والحرب التي خاضتها إيران والمؤامرات التي تتعرض لها من أمريكا وأوروبا والتوجس من الدول المحيطة بها، وتسرع بعض أطراف الثورة النافذين للتصريح والاستعداد لنظرية تقدير الثورة؛ مما أثار المخاوف في الدول العربية والإسلامية. كل ذلك جعل إيران لا تعطي النموذج الأفضل لحكومة إسلامية تحمي الحريات وتحاقظ على التنوع وتحمي حرية الاعتقاد. هناك أقلية يهودية مستقرة لها ممثلون في البرلمان، وهناك أقلية زرادشتية تحظى بنفس التمثيل، ولكن هناك قوميات مختلفة تعاني من التهميش لصالح الأغلبية الفارسية، مثل: الآذريين والطاجيك والكرد والعرب، كما يعاني أهل السنة معاناةً حقيقيةً؛ لدرجة أن طهران ليس بها مسجد يقام به صلاة الجمعة للعرب السنة. وجاءت السودان لتعطي نموذجًا غير طيب، رغم أنها مثل إيران بلد متعدد القوميات والعقائد والثقافات والأعراف، فوصل الإسلاميون فيها إلى الحكم بانقلاب عسكري، وهو ضد الحريات العامة، ثم أعدمت 28 انقلابيًّا بتهم مختلفة، وعصفت في بدايتها بالحريات، وتطورت الأمور بعد ذلك نحو الأفضل، لكن دون المستوى المطلوب بكثير، وأصبحت مثلها مثل دول الجوار، رغم تمتع السودان بحريات أكبر من غيره من الشعوب المحيطة به لظروف خاصة به. كانت إيران والسودان أملاً في تقديم نموذج قريب من المبادئ الإسلامية في حماية الحريات العامة، وتحصين حرية الرأي والفكر وحماية الاعتقاد، ونجحتا في حماية حرية الاعتقاد بصورة كبيرة، لكن ما زال أمامهما شوط طويل في تقديم نموذج إسلامي يتفق والقواعد والمبادئ الإسلامية. أما أفغانستان فحدث ولا حرج، ولا تحتاج إلى تفصيل. الأمل اليوم في أن تقدم حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا نموذجًا مثاليًّا للحفاظ على الحرية العامة، في ظل نظام ديمقراطي في بلدٍ عانى كثيرًا من العصف بالحريات الأساسية، سواءٌ ضد اليساريين أو الإسلاميين أو الأكراد. وهناك أمل آخر يترقَّبه العرب في المغرب العربي؛ حيث يتقدم حزب العدالة والتنمية في المملكة المغربية بخطى راسخة نحو الممارسات الديمقراطية والمشاركة في الحكم بعد الانتخابات العامة القادمة.
الأسس والمنطلقات.. حرية الرأي والعقيدة