من الواضح أن العالم العربي لم يتحمل ما قد تثيره الشكوك لديه في نوايا واشنطن و"إسرائيل" من عقد مؤتمر السلام الذي أصرت واشنطن أن تسميه مؤتمر الخريف، ربما إشارة إلى أن الخريف فصل سقوط الأشجار لا إزهارها، وهو المعنى الذي قصدت إليه السيدة ليفني وزيرة الخارجية "الإسرائيلية" وشمعون بيريز رئيس "إسرائيل" عندما حاولا التقليل؛ مما قد يسفر عنه المؤتمر من نتائج، أو عدم الإفراط في التفاؤل فيما قد تقدمه "إسرائيل" للعرب، وقد سكتت "إسرائيل" وواشنطن تمامًا عن كل ما يتعلق بالمؤتمر، ولم تصدر واشنطن أية إيضاحات، وهو ما زاد الشك لدى العالم العربي، ويبدو أن الحوار منقطع بين واشنطن والعواصم العربية وترك كل جانب الآخر أن يكون تصوراته عن الطرف الآخر.

 

وقد أدركت واشنطن أن ما تريده من المؤتمر أكبر بكثير من احتمال الحكومات العربية، وقد لا تستطيع هضم نتائجه بالشكل الذي تخطط له "إسرائيل" التي تريد كل شيء ولا تريد أن تقدم سوى الأوهام كعادتها. وقد سبق أن قدمنا تحليلاً رياضيًّا مستندًا إلى الحقائق لما يمكن توقعه من المؤتمر الدولي، وكانت النتيجة مفزعةً، لأن العالم العربي الذي راوده الأمل في أن يحقق المؤتمر أي شيء ولو نظريًّا استخلص من قراءته للموقفين الأمريكي و"الإسرائيلي" النتائج، وهذا هو السبب في أن العالم العربي سارع بالترحيب بالمؤتمر كفكرة وبرر لنفسه أسباب الترحيب، وكلها أسباب ذاتية خلقتها آمال التمني ولا علاقة للواقع بها. وقد قدرت أن مضى الوقت أدى إلى نتيجتين متناقضتين.

 

النتيجة الأولى هي أن واشنطن من قراءتها لأوضاع العالم العربي، قررت أن هذه هي اللحظة المثالية التي تربط فيها بين فلسطين والعراق وإيران بضربة واحدة دون أن تخسر "إسرائيل" شيئًا، وذلك بأن تتعهد "إسرائيل" بالقبول بدولة فلسطين وتنطلق المفاوضات بشأنها من الآن وإلى قيام الساعة بشرط إبعاد حماس تمامًا وتكريس القطيعة ضدها واعتماد أبو مازن مفاوضًا وحيدًا عن الشعب الفلسطيني.

 

ومقابل هذا الوهم يستمر الاستيطان والجدار العازل ويكف الحديث عن حق العودة وغيرها على أساس أن ذلك كله يتم تناوله في المفاوضات التي قال أولمرت إنها قد تستغرق ثلاثة عقود قادمة، لأن "إسرائيل" تلعب على عامل الزمن الذي تتآكل فيه كل أوراق القوة العربية ما دامت واشنطن تجد في تنفيذ مخطط "إسرائيل" في تفتيت العالم العربي حول "إسرائيل"، ويكون العقد الثاني من هذا القرن مثلاً أنسب من اليوم للحديث عن دولة فلسطين، يبدو أن "إسرائيل" في هذا السياق أقنعت أبو مازن أن الخطر المباشر على سلطته هو حماس وليس "إسرائيل" وأنه من المبالغة أن يحمل نفسه مسئولية تسوية مشكلة عمرها ستون عامًا، وعليه أن يقبل بما يتناسب مع أوراقه المعدومة وقوته غير الموجودة، وأن أي سلام لا يمكن تحقيقه مع تهديد حماس لسلطته ولمفردات السلام في المجتمع "الإسرائيلي"، فليكن الهدف المشترك هو اقتلاع حماس، ولكي يغرى أولمرت الدول العربية الأخرى بهذا الطرح يبدو أنه أقنعها أن إزالة حماس هو أكبر ضربة لأمل الإسلاميين في المنطقة في تحقيق أي نجاح، سواءٌ في الحكم أو في استخلاص الحقوق الفلسطينية التي عجزت عنها فتح وعرفات طوال العقود الأربعة الأخيرة، وهكذا يصبح ضرب حماس هدفًا "إسرائيليًّا" فلسطينيًّا عربيًّا يسبق السلام أو هو شرط لازم لإقامة السلام.

 

ولكن طموح أمريكا و"إسرائيل" على الجانب الآخر- فضلاً عن إغلاق ملف حماس وفتح باب التفاوض بين الطرفين- يتجاوز هذا الهدف الكبير إلى الإعلان عن انتهاء القضية الفلسطينية التي تدخل في نفق المفاوضات إلى غير رجعة؛ مما يتعين على الدول العربية أن تعلن تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" بعد زوال العائق، أدركت الدول العربية أن بيع القضية مقابل وهم السلام سوف يؤدي إلى آثار خطيرة في الساحات الفلسطينية والعربية، كما أدركت السعودية- ومصر بالذات- أن الانفجار الفلسطيني، وربما إسناد مهمة تصفية حماس إليها رغم رفض مصر لأية تلميحات إلى هذا الموضوع، حمل ثقيل لا تقدر عليه ولا يتفق مع مصالحها.

 

معنى ذلك أنه بين أهداف أمريكا و"إسرائيل"، والمدى الذي يقبل به العالم العربي هوَّة سحيقة قد تؤدي إلى أحد أمرين: إما فشل المؤتمر إذا انعقد، أو عدم انعقاده أصلاً أو إعلان الدول الرئيسية- كما حدث بالفعل- عدم ثقتها في جدية المؤتمر.

 

هدف هذه المقالة هو البحث فيما وراء هذه اللحظة، فلأول مرة لا تشترك الحكومات العربية في بيع الوهم الأمريكي "الإسرائيلي" لشعوبها، وأدركت أنها ترتكب خطأً فادحًا إذا تساهلت في هذه النقطة خاصة بعد الشكوك الكبيرة في سلامة المنطق الأمريكي، الذي يهدف بالفعل إلى تفتيت العراق والدول العربية الأخرى، كالسودان والسعودية ومصر، ولست مبالغًا إذا قلت إن مصر والسعودية تراقبان الجدل حول تقسيم العراق وخطوات تمزيق السودان وربما لبنان وفلسطين بقلق كبير؛ خوفًا أن تكون هذه بروفة لتقسيم بقية الدول العربية، وهذا هو سبب الغليان الذي تتسم به العلاقات الأمريكية مع مصر والسعودية بسبب هذا المؤتمر الدولي.

 

إذا سلمنا بأن انعقاد المؤتمر دون أن يحقق للعرب أي فائدة، وأصر العرب على تقديم أي تنازل "لإسرائيل" مهما كانت الضغوط الأمريكية، فإن ذلك معناه أن القدر المحدود من الأمل في هذا المؤتمر عن حسن النية في العالم سوف يتبدد، وسيحل محله إحباط هائل عند شعوب المنطقة التي باتت لا تثق في أية طروحات أمريكية؛ ولذلك فإن الشك فيه وفي نتائجه صاحب الفكرة منذ الإعلان عنها، كما أن الإعلام العربي الرسمي- للحق- لم يشارك في خلق أوهام حول هذا المؤتمر وتركه لمصيره الحقيقي، وفي مجال المفاضلة، خير للمؤتمر ألا ينعقد من أن ينعقد ويلقى المصير الذي تحدثنا عنه.

 

ولكن يظل السؤال: ما مصير الصراع في فلسطين، وبين سوريا ولبنان من ناحية و"إسرائيل" من ناحية أخرى؟! وإن كان فتح الملف السوري من ناحية واللبناني من ناحية أخرى فصَلَ بين الملفين اللذين كانا متلازمين إزاء "إسرائيل" وشغل كل منهما بالآخر بدلاً من اتحادهما ضد "إسرائيل"، وهكذا ظهرت أهم نقاط الضعف الجديدة في الأوراق العربية في مواجهة "إسرائيل"، بل أكاد أقول حقًّا إنه لم تبقَ أوراق عربية ضد "إسرائيل" ما دامت واشنطن قد تقدمت كل الساحات أمام "إسرائيل" كبحًا للطموحات العربية وحقوق العرب وانتصارًا "لإسرائيل".

 

الاحتمال الأول لما بعد المؤتمر- انعقد أو لم ينعقد- هو أن يظل الشحن والاحتقان في فلسطين؛ مما يعطي "إسرائيل" فرصةَ المزيد من تمزيق الساحة الفلسطينية وإضعاف حماس، ودفع أبو مازن إلى المزيد من التقارب مع "إسرائيل"، والمزيد من تطوير المشروع الصهيوني وإرهاق الفلسطينيين، فيوجهون سهامهم ضد قادتهم، وتتم تصفية القضية ذاتها دون حاجة إلى الحديث مع "إسرائيل"، فعامل الزمن لصالح "إسرائيل".

 

في الساحة السورية يظل الاحتقان بين الطرفين كما يظل مرهونًا بالعلاقات الإيرانية- الأمريكية، وهو موضوع يسير بالتوازي مع المؤتمر الدولي، وأظن أن أهداف طرح فكرة المؤتمر هو دغدغة مشاعر سوريا صوب تسوية الجولان يمكن أن تضعها في موقف الخيار بين إيران وأمريكا وتجعل قرارها صعبًا.

 

وتنطبق نفس القاعدة على الساحة اللبنانية ومداخل التسوية فيها، ذلك أن انعقاد المؤتمر وبيع وهم السلام للعرب دون الجدية في مناقشة خطة السلام العربية يغري واشنطن بالقول بأنها بذلت جهدها، وعملت على تهدئة الجبهة العربية "الإسرائيلية" حتى تتفرَّغ للجبهة العراقية والإيرانية.

 

والخلاصة أن "إسرائيل" هي الكاسب الأكبر في حالتَي انعقاد المؤتمر أو عدم انعقاده، ولكن السلام هو الضحية في الحالين، وهو الذي يتخذه الجميع شعارًا يعملون تحته على تقويضه.