د. جمال نصار

 

لا شك أن طرح برنامج حزب الإخوان المسلمين في الآونة الأخيرة أثار بعض التساؤلات والشكوك وخصوصًا ما ورد في القراءة الأولى التي وُزعت على عدد من رجال الفكر والثقافة والرأي باختلاف توجهاتهم وتنوع أيديولوجياتهم.

 

وأتصور أن قرار الإخوان بتوزيعه على هذه المجموعة من المفكرين يحمل في طياته عدة معانٍ منها:

 

* أن الإخوان المسلمين بالرغم من اختلافهم مع البعض في المرجعية إلا أنهم يأنسون بالرأي الآخر ولا يحجرون عليه، ويستمعون له طالما أنه يصب في إطار النقد البناء والنصح الرشيد أخذًا بالقول المأثور "الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها".

 

* حرص الإخوان على أخذ الآراء المتنوعة حول البرنامج يؤكد أنهم لا يعملون بمفردهم على الساحة السياسية، بل هم شركاء لكل أبناء الوطن الشرفاء في مسيرة الإصلاح والتغيير مهما اختلفت الآراء والأيديولوجيات، فالهدف واحد والهم واحد والتحديات واحدة.

 

* حرص الإخوان على الالتقاء بهؤلاء المفكرين والسياسيين لتفعيل الحوار البنّاء حول البرنامج، وفك نقاط الالتباس والاستفادة من الرؤى المختلفة والآراء المتنوعة.

 

* أتصور أن ما ورد في البرنامج ما هو إلا قراءة أولية، يمكن بعدها أخذ الآراء المختلفة والاستفادة منها طالما أنها تصب في الصالح العام، ولا تخرج عن فهم الإخوان لطبيعة العمل السياسي.

 

* الإخوان المسلمون لهم اختيارهم الفقهي في مسائل الحياة الذي يميزهم عن غيرهم، ولا يجبرون أحدًا عليه، ويأملون من الآخرين أن يحترموا اختيارهم.

 

ومن خلال متابعة بعض هذه الكتابات التي وردت في الصحف المصرية والعربية ومواقع الإنترنت لكثير من الكتاب والمفكرين- منهم الأستاذ السيد ياسين والأستاذ فهمي هويدي والدكتور عبد المنعم سعيد والدكتور وحيد عبد المجيد والدكتور عمرو الشوبكي والأستاذ ضياء رشوان والدكتور رفيق حبيب والأستاذ خليل العناني، وغيرهم كثير- كان لي بعض الملاحظات على كتابات بعضهم، منها:

 

* أنه من الأهمية أن نفهم طبيعة دعوة الإخوان المسلمين ،فهم أصحاب مشروع حضاري متكامل لنهضة الأمة، وقد حدد الإمام البنا ذلك بقوله: "إنها هيئة إسلامية جامعة" بمعنى أنهم يهتمون بكل شئون الحياة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتربوية والرياضية، يقول الإمام البنا في رسالة (إلى أي شيء ندعو الناس؟!): "يا قومنا إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالح من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا، فنحن أعرق الناس والحمد لله في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم؛ فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات".

 

* أن كلاًّ منا له ثقافته وأيديولوجيته التي تميزه عن غيره، وهذا الأمر لا بأس به، طالما أنني أحترم رؤيتك وتحترم أنت رؤيتي، ولكن تكمن المشكلة والالتباس إذا أجبرتك على الاقتناع بفكري ورؤيتي، أو أجبرتني أنت على ذلك، أو بمعنى آخر إذا ظن كل واحد منا أنه على حق وغيره على الباطل، وما أجمل قول الإمام الشافعي في هذا السياق: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"!! وقوله أيضًا: "والله، لوددت لو أن الله يظهر الحق ولو على لسان خصمي".

 

فهدف الإخوان الوصول إلى الحق والتوافق مع شركاء الوطن والمصير في إيجاد حلول ناجعة لما تعانيه مصرنا الحبيبة من فساد مستشرٍ واستبداد مستحكم، ولن يتأتى ذلك إلا إذا استمع كل منا للآخر، وعرف فقه الاختلاف والتنوع، واحترم ثقافة الآخر وأيديولوجيته.

 

* هناك بعض الصحف والمجلات تناولت البرنامج بعداوة شديدة ونقد هدّام، لا يرقي إلى مستوى النقد العلمي، بل الهدف منه معاداة الفكرة والمشروع الإسلامي بكل الوسائل المتاحة، ويستخدمون في ذلك التشويه تارة، والربط الخاطئ بين الإخوان ونماذج إسلامية أخرى سُنية أو شيعية، والحكم على النوايا دون معايشة الفكر في الواقع الملموس، وهؤلاء لا نهتم بهم ولا نعطيهم اهتمامًا، ولا نُضيع أوقاتنا في الاستماع إليهم، لأن ثقافتهم بُنيت على رفض وتشويه الآخر وعدم قبوله.

 

وفي النهاية أتصور أن الإخوان ما زالوا في مرحلة الاستماع لكل الآراء حول برنامج حزب الإخوان المسلمين، ولن تضيق صدورهم بأي رأي مهما اختلف مع رؤيتهم.

--------------------

nassareg2000@yahoo.com