![]() |
|
م. وائل عقيلان |
زمانٌ يُمسي فيه الحليم حيرانًا.. هذا قول نبينا الكريم وقد أصبح واقعًا وقد أظلنا فيه المسيخ ولكن بصورة منمقة ومُحَسنة، زمانٌ أضحى فيه من يتقرب إلى الله إرهابيًّا ومن لا يتناول المسكرات رجعيًّا، زمانٌ بتنا نرى فيه حقوق المسلمين تنهب دون أدنى تحرك من شعوب المسلمين، زمان بتنا نرى فيه أعراضنا تُستَحل بل والأدهى من ذلك أننا نرى حكامنا يُقَبِلون أقدام أعدائنا كي يستحلوا أعراضنا ودمائنا.
تلك المقدمة البسيطة والتي من وجهة نظري تلخص واقع الأمة الإسلامية دفعتني للتفكر في حصار غزة، ففكرة الحصار بذاتها موجودة منذ الزمن القديم وحتى في تاريخنا الإسلامي، ففي بداية بعثة النبي الكريم حاصرت قريش آل النبي لثلاث سنوات وذلك في مسعى لإنهاء دعوته والقضاء عليها، وبعد هجرته صلوات ربي وسلامه عليه إلى المدينة المنورة، حاصرت قبائل العرب المدينة حصارًا شديدًا وكان لهذا الحصار تحديدًا ما يربط التاريخ الماضي بحاضرنا نحن المسلمين وتحديدًا في بقعة من بقاع المسلمين تسمى غزة.
كان حصار المدينة يشترك فيه ثلاثة أطراف كلٌ له دور يقوم به يتناسب مع مكانته وطموحاته.
أولاً- المنافقون :
وهم من كانوا يَدَّعون الإسلام ويُبطِنون غير ذلك وهؤلاء لم يكن لهم اشتراك فاعل ومباشر في هذا الحصار وإنما كانوا يُخَذلون المسلمين ويحاولون تثبيط عزمهم والنيل من إيمانهم وهذا يُذَكر بقوله تعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التوبة: من الآية 47).
ثانيًا- اليهود:
وهم العدو الأساسي للمسلمين ولكن عدم وجود القوة الكافية لهم جعلهم بالمرتبة الثانية، فآثروا الاعتماد على العرب كي يريحوهم من أتباع الدين الجديد.
ثالثًا- العدو القريب:
وهم من دم وسلالة أهل المدينة فهم عرب مثلهم ينطقون بنفس اللغة وكانوا هم أشد قسوةً على أهل صلة رحمهم وأهل قرابتهم فكانوا هم الطوق الأول في هذا الحصار، وكانوا هم أصحاب الضغط الأقوى على أهل مدينة رسول الله برغم رابطة الدم وبرغم أن العقلاء منهم قالوا لم لا نترك محمدًا فإن ظهر كان لنا حظوة لديه وإن هُزم لم ينلنا شر ولكن في ذلك الوقت لم يكن هناك أمن قومي عربي.
ما أراه يربط بين ما جرى قديمًا وما يجري اليوم هو تشابه من يشن الحصار فأطراف الحصار ثلاثة وإن اختلف الدور قليلاً.
أولاً- المنافقون:
وهم فلسطينيو الجنسية ولكنهم يبطنون غير ذلك فهم لا يسعون لمصلحة فلسطين ولا غيرها وهم يختلفون عن منافقي عهد رسول الله فألئك كانوا يُخَذلون المسلمين وأما منافقو اليوم فقد تطوروا ليصبحوا علانيةً ضمن حلقة الحصار فأصبحوا يواجهون بالتخذيل وبالدعايات المغرضة وبالتشهير وآخر ما وصل إليه العلم في ذلك هو حمل السلاح والمواجهة المباشرة.
ثانيًا- العدو الأجنبي:
وهنا العدو وإن كان هو من يقتل بشكل مباشر ويسفك الدماء إلا أنه ليس هو الطرف المسبب للضرر الأكبر لأهل غزة، وإن كان هو العدو فإنه حتى في تعامله مع سكان القطاع ترى فيه بعض الإنسانية التي يدعيها وغير الموجودة عنده أصلاً.
ثالثًا- العدو القريب:
يقول الشاعر "وظلم ذوي القرب أشد مضاضةً.. على النفس من وقع الحسام المهند"، تتظاهر الحكومات العربية بوقوفها بجانب الشعب الفلسطيني وبحرصها على حقوقه المشروعة (المشروعة بحسب وجهة نظر "إسرائيل")، ولكن الواقع يظهر أن أعتى عدوان على الشعب الفلسطيني هو بأيدٍ عربية ومن حكومات عربية، فما من تحرك تقوم به حكومة عربية إلا ويكون فيه ضغط على الشعب الفلسطيني لتقديم تنازلات للعدو الصهيوني، ولكي لا أبتعد عن الموضوع أعود لإيضاح دور الحكومات العربية في الحصار وعلى شكل بعض النقاط.
1 - إغلاق معبر رفح في وجه الفلسطينيين برغم أنه مصري- فلسطيني وذلك لمعاقبة سكان غزة لاختيارهم المقاومة نهجًا لتحرير أرضهم.
2 - عدم الاكتراث بالعالقين في الأراضي المصرية والتي تدعي حكومتها أنها شقيقة لفلسطين مما أدى إلى وفاة أكثر من 35 فلسطينيًّا على الحدود وليس بينهم وبين وطنهم إلا كيلو مترات قليلة لا يفصلهم عنه إلا الأسلاك الشائكة والجنود المصريون، والأهم من الجنود والأسلاك القرار السياسي المصري (إن كان هناك قرار سياسي)، وحتى عندما سُمح لهم بالعودة كان عبر ما يسمى بمعبر العوجة وهو طريق يمر بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 والمسماة "إسرائيل" وذلك كي يمارس العدو عليهم كل وسائل الإسقاط والإرهاب والإهانة والإذلال.
3 - عدم استقبال أي فلسطيني يرغب في العودة إلى غزة في مطارات مصر والأردن ومن يأت يُرد على أعقابه إلى أنياب الغربة كي تنهش ما بقي لديه من كرامة وكي يعتاد التسول على أبواب الكنائس والمعابد.
4 - طرد عدد كبير من الفلسطينيين سكان قطاع غزة من وظائفهم في عدد من الدول العربية مثل دولة الإمارات التي طردت بعد أحداث غزة أكثر من ألف موظف فلسطيني هذا بخلاف عائلاتهم.
5 - عدم التحرك الجدي للتخفيف عن معاناة سكان غزة وترك أمورهم بيد عدوهم الذي يصرح في كل مرة أنه لن يكون عربيًّا أكثر من العرب، فقد وافقه قادة العرب على وجوب تجويع أهل غزة لأنه ثبت وبالدليل القاطع أنه يوجد لديهم بقية من كرامة.
6 - منع ومحاربة أشكال التضامن والتفاعل مع قضية الحصار المفروض على غزة وعدم السماح بأي تحرك شعبي يرفض ذلك الحصار.
7 - التعامل السيئ مع الفلسطينيين على الأراضي العربية باستثناء بعض الدول ذات الأهداف السياسية المؤقتة المتوافقة مع القضية الفلسطينية.
أما مصر فكانت أشد الدول تعاملاً مع ما يجري في غزة برغم أن ما جرى يشكل لها فائدةً كبرى فهو يحمي أمنها القومي بوجود حكومة أهدافها تتماشى ومصلحة الأمة العربية وتتماشى مع حماية الدول العربية وخصوصًا مصر، تلك القسوة التي تمثلت باحتجاز العشرات من الفلسطينيين في سجن العريش ومطار العريش لمدة تزيد على أربعة شهور، وتمثلت أيضًا في عدم الإفراج عمن اجتازوا الحدود بين مصر وغزة برغم أن فترة سجنهم طبقًا لأحكام القضاء المصري قد انتهت، وبعد أكثر من أربعة شهور معاناة قامت بالسماح للمحتجزين في مطار العريش وسجن العريش ولمن لهم مشاكل أمنية مع "إسرائيل" بالعودة إلى غزة ولكن ليس عبر معبر رفح فهي لم تملك حتى الجرأة لذلك، فقامت بإعادتهم عبر نقطة أمنية حدودية غرب معبر رفح، وأما من عادوا فلهم قصة أخرى فقد سمحت مصر لهم بالعودة شريطة أن يتركوا زوجاتهم وأخواتهم في مصر وأن يغادروا دونهن فأي موقف رجولي وأخلاقي هذا الذي يفرج معاناة الغربة ويبدلها بذل التخلي عن الشرف وترك النساء تلعب بهن ريح الغربة والانتظار أن يسمح لهن العدو بالعودة إلى حض الوطن.
أعتقد أن من يحاصر غزة ليس هو العدو الصهيوني ولا أمريكا ولكن من يحاصر غزة هم حكام ينطق بعضهم باللغة العربية والبعض الآخر يجد صعوبة في التحدث بالعربية، فهل تتوقع الأمة نصرًا على يد من لا يفهم اللغة فضلاً عن عدم فهمه أصلاً للثوابت والأخلاق الإسلامية والعربية؟، والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه: هل سينجح هذا الحصار أم سيؤول مصيره كما حدث مع سلفه حصار الخندق؟.
