الانحياز الأمريكي "لإسرائيل" وتحريض واشنطن على المصالح العربية أصبح حقيقةً منذ مدة طويلة في الأدبيات السياسية العربية، وقد استراح العالم العربي إلى هذا الاكتشاف، وحاول البعض الحث في بنية العلاقات "الإسرائيلية" الأمريكية، وحذَّرت الكتابات والخطابات العربية من أن "إسرائيل" أصبحت الولاية الجديدة في الولايات المتحدة، ولكن الجديد في هذا الملف، والذي يجب أن يستفز العالم العربي ويستنهض قواه الرسمية أولاً قبل الشعبية هو أن "إسرائيل" التي تشمل تحديًا حقيقيًّا للوجود العربي، قد تمكَّنت من صناعة القرار الأمريكي تمامًا بحيث قامت بتوظيف القوة الأمريكية لتنفيذ رغباتها من خلال اللوبي القوي والفعَّال لها في الولايات المتحدة والذي يضم في جنباته صناع القرار السياسي والدبلوماسي والإستراتيجي في النخبة السياسية الأمريكية المعروفة بالمحافظين الجدد تميزًا لهم عن نفس المحافظين القدامى الذين كانوا يضعون المصالح الأمريكية فوق مصالح بقية الحلفاء بمَن فيهم "إسرائيل"، بينما اتجَّه المحافظون الجدد إلى إعلاء المصالح "الإسرائيلية" على المصالح القومية الأمريكية تحت عنوان الشراكة في محاربة الإرهاب.
وكان الحديث عن الانحياز الأمريكي "لإسرائيل" من المسلمات العربية، ولكنه لم يكن كذلك في الولايات المتحدة حتى تمكَّنت "إسرائيل" من صياغة السياسة الأمريكية في المنطقة، فدفعت واشنطن إلى غزو العراق ودفعتها لتغطية عدوانها على لبنان وتركت العنان "لإسرائيل" للفتك بالفلسطينيين، واكتفت واشنطن بتقديم الآمال الكاذبة للشعب الفلسطيني حتى يقبل قدره وفناءه راضيًا بالوعود الأمريكية، ووافقت "إسرائيل" على معاداة سوريا وإيران وعرقلت كل محالات التسوية المقبولة أمريكيًّا معهما، فكانت النتيجة كارثة على الصورة الأمريكية ومجمل المصالح الأمريكية ونكبات ثقيلة للسياسة الأمريكية.
هذه الحقائق بدأ يتنبه لها الرأي العام الأمريكي وأصبحت مناقشتها أمرًا عاديًّا رغم إرهاب عناصر اللوبي الصهيوني، وهذا الإرهاب الذي تحداه عددٌ من السياسيين والمؤرخين طوال العقود السابقة وسجلوا ما تعرَّضوا له من ضغوطٍ وأحيانًا تصفية جسدية ومعنوية.
ولما طاف الكيل منذ أحداث سبتمبر، وأصبحت واشنطن كالفيل الأعمى في يد "إسرائيل" تدمر ما تأمرها بتدميره من المصالح العربية، وقد أدرك بعضٌ من الأمريكيين أن الجور على المصالح العربية ليس هو المشكلة، ففي باب التقابل والخيار بين النفع "لإسرائيل" والنفع للعرب، "فإسرائيل" مقدمة قطعًا على العرب، وانطلق هؤلاء من اعتزازهم "بإسرائيل" ولكن حزنهم عليها وعلى التضحية بالمصالح الأمريكية بشكلٍ مخيفٍ هو الذي دفعهم إلى طرح القضية للنقاش العام، وتمثَّل ذلك في الكتاب الذي صدر وسط كل المحاذير منذ أسابيع في لندن من هذا العام 2007م تحت عنوان "لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأمريكية".
والمؤلفان هما (John Mearsheimer &Stephen Walt، Penguin Books).