النقطة الأساسية في تحليل اتجاهات السياسة الخارجية هي اختيار المعيار المناسب الذي يتمتع بدلالة خالية من التحيز، وفي حالة فرنسا فإن تولي الرئيس ساركوزي السلطة, وهو الذي تربَّى سياسيًّا في أحضان حكومة الديجولية الجديدة بقيادة الرئيس شيراك, يمكن أن يعطي الانطباع بأن سياسة ساركوزي هي امتداد لسياسة شيراك, وأن امتناع شيراك عن الترشيح باختياره هو السبب الوحيد لظهور ساركوزي وانطلاقه على الساحة السياسية الفرنسية في حملةٍ عصفت بخصومه السياسيين في استعراضٍ ديمقراطي أظهر اتجاهات الشعب الفرنسي في المرحلة القادمة, وكأنه يريد التغيير, وأنه منح ساركوزي تفويضًا بذلك, وهذه الحقيقة يستشعرها ساركوزي وهو يدلي يوم 23 سبتمبر 2007م بأول حديثٍ منذ انتخابه لصحيفةٍ أجنبيةٍ خاصة "نيويورك تايمز"، وهو يجمع بين الفخر والاعتزاز بكونه فرنسيا, جنبًا إلى جنب مع اعتزازه بالشعب الأمريكي ونظامه الديمقراطي الذي سمح بكل هذه الحيوية المبكرة في انطلاق حملة الرئاسة الأمريكية قبل استحقاقها بأكثر من عامٍ ونصف.

 

كما أتاح هذا المناخ الديمقراطي ظهور أعداد متزايدة من الشخصيات السياسية المرموقة في الأجهزة التنفيذية والتشريعية في واشنطن, وهذا يذكرنا بما كتبه توكفيل الذي زار الولايات المتحدة في وقتٍ مبكرٍ في القرن الثامن عشر, ثم سطَّر إعجابه بنظامها السياسي الذي تشكَّل في الدستور الأمريكي, وراح توكفيل يبشر بهذا النظام في فرنسا.

 

كما يذكرنا ساركوزي أيضًا في تشكيل فكره السياسي بنابليون الثالث في منتصف القرن التاسع عشر الذي حاول أن يجمع بين القسمات الديمقراطية والنظام الملكي الذي قامت الثورة الفرنسية أصلاً ضده.. فما هي ملامح السياسة الخارجية الفرنسية في عهد ساركوزي؟

 

أكد ساركوزي في حديثه الشامل لصحيفة "نيويورك تايمز" السابق الإشارة إليه على عددٍ من التوجهات الأساسية التي تُشكِّل ملامح سياسته الخارجية.. أول هذه التوجهات وأهمها هو أنه يريد أن تكون قيادة أوروبا السياسية والعسكرية في يد فرنسا, وظهر ذلك جليًّا عندما أكد أن فرنسا مستعدة لكي تتولى أرفع المناصب القيادية في قيادة حلف الناتو, وبشرط أن تقبل واشنطن بأن يكون لأوروبا قدرات عسكرية دفاعية مستقلة.

 

وهو يعلم أن هذه الشروط سبق لواشنطن رفضها في عهد شيراك وكلينتون عام 1997م, ولكنه يعتقد هذه المرة أنَّ واشنطن ستكون أقرب إلى قبولها, أو قبولها معدلة بدلاً من رفضها بالكامل, ولكي يمهد لذلك فإن ساركوزي أكد- على خلاف ديجول في ستينيات القرن الماضي- أن هذا الهدف, أي ريادة فرنسا لن تتحقق بمناوأة واشنطن وإنما بالتحالف والانسجام مع سياساتها، وحتى لا يظهر ساركوزي أنه يريد ريادة فرنسية مقابل الخضوع للسياسات الأمريكية, فقد ترك مسافة واسعة بين مصطلحات بوش ومواقف ساركوزي السياسية خاصةً بشأن إيران؛ حيث أكَّد بشكلٍ قاطعٍ أن إيران لا يمكن أن تملك سلاحًا نوويًّا, ولكن أزمة الملف النووي لا يمكن حلها بغير الطرق السياسية مستبعدًا بشكلٍ قاطعٍ أيضًا الحرب ضد إيران, مما يعني أن موجة الاستعداد الأمريكية الحالية لمهاجمة إيران والتي تظهر وتنكمش طوال الأعوام القليلة الماضية, جعلته واضحًا من الآن في رفض التسوية بالحرب.

 

وهو خط يؤيده الشعب الفرنسي وشعوب العالم, ويذكرنا بموقف فرنسا شيراك في غزو العراق عام 2003م؛ حيث عارضت باريس تمامًا أي عملٍ عسكري ضد العراق, وقام وزير خارجيتها اللامع آنذاك ديفلبان بتعرية الموقف الأمريكي مبكرًا في جلسة مجلس الأمن الشهيرة في 5 فبراير 2003م عندما حاول وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أن يلوي الحقائق ويُصوِّر الموقف في المجلس على أنه يعني تفويض واشنطن بمهاجمة العراق.

 

وقد ظهر ساركوزي على خلافٍ كاملٍ مع وزير خارجيته الذي أدلى في الأسابيع الأخيرة بعددٍ من التصريحات التي أظهرت حاجته الماسة إلى الخبرة بالشئون الدولية المعقدة, كما يناقض تصريح وزيره الأخير الذي قرر فيه استعداد فرنسا لمحاربة إيران, وأكد في رفضه لتصريحٍ آخر لنفس الوزير أن الوقت ليس مناسبًا لزيارته لطهران بعد أن اقترح الوزير هذه الزيارة.

 

وقد حاول الصحفي في نيويورك تايمز أن يجر ساركوزي إلى حقل الألغام في الموقف الإيراني, ولكن ساركوزي كان محددًا وحاسمًا عندما صرَّح بأن الموقف الفرنسي من إيران لا يتحدد بالموقف الأمريكي وحده, أي تحكمه اعتبارات أخرى من بينها الموقف الأمريكي, وهو ما يعني اختلاف الحسابات الفرنسية عن الأمريكية في هذا الشأن.

 

وقد رفض ساركوزي أن يقع في الشرك عندما أراد الصحفي أن يجعله في موقف الاختيار بين قبول إيران النووية أو قبول الحرب ضد إيران, فأكد ساركوزي أن هذا الشرك هو بالضبط ما يطرحه زعماء إيران ولا يجوز الالتباس والوقوع فيه.

 

والخلاصة أن ساركوزي يحاول تشكيل خطوط سياسته الخارجية أخذًا في الاعتبار السياسات الأمريكية، وقد كشفت مقابلته مع "نيويورك تايمز" عن بعض هذه التوجهات, ولكن من السابق لأوانه كثيرًا القول بأن السياسة الخارجية الفرنسية أصبحت واضحةً ومتبلورةً في عهد ساركوزي, خاصةً أن خطبه الانتخابية وبرامجه السياسية لم تعالج بشكلٍ واضحٍ اتجاهات سياسته الخارجية، ولكن الخط الوحيد الواضح هو أن ساركوزي يريد أن يحقق المعادلة الصعبة، وهي استقلال فرنسا, ثم مساندة واشنطن له في قيادة أوروبا, وهما أمران متناقضان وأمام ساركوزي نماذج ظاهرة وهي النماذج اليابانية, والبريطانية والألمانية.

 

وأخيرًا, تجب الإشارة إلى أن الخلاف بين ساركوزي وشيراك بسبب تفضيل شيراك لديفلبان على ساركوزي قد دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن ساركوزي سوف يقلب سياسة شيراك نكاية في مواقفه, مثلما فعل السادات في مصر ضد عبد الناصر, حيث سار على خلافٍ ما كان قائمًا في عهد عبد الناصر.

ولا أظن أن الوقت أصبح مناسبًا والتجربة كافية للفصل في هذا الافتراض.