فهمي هويدي

 

الكلام الذي يتردد هذه الأيام حول توجيه ضربة عسكرية لإيران جادٌّ وليس هزلا‏ً,‏ وهو إذا ما بلغ مبلغه وتحوَّل إلى فعل فإنها ستكون القارعة.

 

(1)

لم يعُد السؤال هل ستقوم الحرب أم لا؟ لكنه أصبح منصبًّا على الأسئلة متى وكيف ومن؟! آية ذلك أن صحيفة (واشنطن بوست) نشرت في ‏9/16‏ الحالي مقالاً عن الحرب المقبلة ضد إيران‏,‏ كتبه القائد السابق لقوات الناتو الجنرال ويسلي كلارك‏,‏ عرض فيه مقترحاته بخصوص ضمانات تحقيق المعركة لأهدافها‏,‏ مقدِّرًا أنها ستبدأ بقصفِ مختلفِ المواقعِ الإيرانيةِ، يستمر ثلاثة أسابيع‏,‏ وقد تزامن نشر المقال مع التصريحات التي أطلقها وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير، وقال فيها: إن إيران إذا لم توقف تخصيب اليورانيوم فيجب أن تستعد للاحتمال الأسوأ الذي لم يكن سوى الحرب.

 

والحدثان تتابعا في أجواء تصعيد أمريكي وأوروبي محموم‏؛ تبنِّي تشديد عقوبات مجلس الأمن على إيران لإجبارها على وقف مشروعها النووي‏,‏ وتلويح في التصريحات الأمريكية بأن صبر الغرب أوشك على النفاد‏,‏ وهو الكلام الذي فاح من رائحته التلويح بالحرب‏,‏ التي سارعت موسكو وبكين بالتحذير من الانزلاق نحوها.

 

يثير الانتباه في هذا الصدد أن أخبارًا تسرَّبت من واشنطن وتل أبيب في أواخر العام الماضي‏,‏ مشيرةً إلى أن الضربة العسكرية لإيران ستوجَّه في خريف عام ‏2007,‏ فقد نقل موقع (يديعوت أحرونوت) الإلكتروني في 12/10/2006م تصريحات للقائد السابق لسلاح الجو الأمريكي اللفتانت جنرال توماس ماكنري قال فيها: إن واشنطن قد تضطر للقيام بعمل عسكري لإيقاف البرنامج النووي في خريف عام ‏2007,‏ وقال‏:‏ إن في إيران ‏1500‏ هدف يتوجَّب القضاء عليها بتدميرها خلال ما بين ‏24‏ و‏36‏ ساعة‏، وإن من شأن ذلك عرقلة البرنامج لمدة خمس سنوات.

 

أيضًا في ‏11/7‏ من العام الماضي ذكرت صحيفة (معاريف) المسائية أن الحكومة "الإسرائيلية" تلقَّت تقارير من واشنطن تفيد بأن الإدارة الأمريكية قرَّرت توجيه ضربة للمشروع النووي الإيراني في أواخر عام ‏2007،‏ وأضافت أن هذه العملية ستتم ضمن خطة أمريكية شاملة للخروج من العراق‏,‏ وأن الولايات المتحدة تتجه لسحب قواتها عشية توجيه الضربة لتقليص عدد الأهداف الأمريكية التي يمكن لإيران ضربها؛ ردًّا على مهاجمة منشآتها النووية.

 

‏(2)

الاهتمام أشد بهذه الضربة في "إسرائيل"؛ فقد ذكرت صحيفة (هاآرتس) في 27/8/2006م أن رئيس هيئة أركان الجيش "الإسرائيلي" (آنذاك‏)‏ دان حالوتس أصدر قرارًا بتعيين الجنرال إليعازر شكيدي- قائد سلاح الجوِّ- ليكون مديرًا لهيئة أركان القوات "الإسرائيلية" في مواجهة إيران‏,‏ وتم تكليفه بالإشراف على عملية التنسيق بين الجيش وأجهزة المخابرات في الحرب المحتملة‏,‏ وتعيين الجنرال شكيدي في هذا الموقع دالٌّ على أن المعركة ضد إيران ستكون جويةً بالدرجة الأولى.

 

بالتوازي مع ذلك ذكرت قناة التلفزة العاشرة "الإسرائيلية" أن أولمرت عقد اجتماعاتٍ حول الموضوع، مع ثلاثة من رؤساء الوزارات السابقين هم: بنيامين نيتانياهو وإيهود باراك وشمعون بيريز ‏(الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للجمهورية‏),‏ ونقلت عن المصادر "الإسرائيلية" أن بيريز عقد أيضًا اجتماعًا سريًّا مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للتشاور حول سبل التنسيق بين تل أبيب وواشنطن في التعامل مع المشروع النووي الإيراني.

 

وفي شهر نوفمبر من العام الماضي حفلت وسائل الإعلام "الإسرائيلية" بالحديث عن نتائج الزيارة التي قام بها لواشنطن رئيسُ الوزراء إيهود أولمرت‏,‏ التي اجتمع خلالها مع الرئيس بوش‏,‏ وحسبما أفادت القناة الأولى في التليفزيون "الإسرائيلي" ‏في 14/11/2006م؛ فإن أولمرت بحث مع بوش بدائل إجهاض المشروع النووي الإيراني‏,‏ التي كان من بينها أن تقوم "إسرائيل" بالمهمة إذا تردَّدت واشنطن في ذلك لأي سبب يتعلق بوضعها في العراق وفي المنطقة‏.

 

في اليوم التالي مباشرة‏ً (15/ 11) نقلت الصحف "الإسرائيلية" عن السفير "الإسرائيلي" في واشنطن ‏(آنذاك‏)‏ داني أيالون-‏ الذي يحضر اجتماعات المسئولين "الإسرائيليين" مع نظرائهم الأمريكيين- قوله‏:‏ إن الرئيس بوش لن يتردد في استخدام القوة ضد إيران لوقف برنامجها النووي‏,‏ إذا ما فشلت الوسائل الأخرى.

 

‏(3)‏

في الدراسة التي أثارت ضجةً كبرى في الولايات المتحدة في العام الماضي- لأنها سلطت الضوء على تأثير اللوبي "الإسرائيلي" على السياسة الخارجية الأمريكية- تحدث عالِمَا السياسة: ستيفن والت من جامعة هارفارد‏‏ وجون شيمرمن عن موقف اللوبي من إيران‏,‏ وذَكَرَا أن "إسرائيل" هي من وضعت إيران في بؤرة التركيز الأمريكي‏,‏ واستَشْهَدَا في ذلك بتصريح أدلى به بنيامين إليعازر- وزير الدفاع "الإسرائيلي"- قبل شهر من غزو العراق قال فيه‏:‏ إن العراق مشكلة حقًّا‏,‏ ولكن يجب أن يتفهَّم الجميع أن إيران هي أشدُّ خطرًا من الجميع.

 

قالا أيضًا: إن طموح إيران النووي لا يشكِّل تهديدًا حقيقيًّا للولايات المتحدة‏,‏ وإن واشنطن إذا كانت قد استطاعت أن تتعايش مع اتحاد سوفيتي نووي وصين نووية‏ (وهند وباكستان‏),‏ وحتى كوريا الشمالية‏,‏ فهي تستطيع أن تتعايش مع إيران نووية‏,‏ لكنَّ الأمر يختلف بالنسبة لـ"إسرائيل‏",‏ التي تعتبر أن إيران النووية بمثابة تهديد وجودي لها‏,‏ ولولا الدور التحريضي الذي يقوم به اللوبي الصهيوني في واشنطن لاختلف الموقف الأمريكي منها.

 

أعاد الباحثان الكبيران إلى الأذهان وقائع الضغط العلني على الإدارة الأمريكية‏,‏ الذي مارسه شارون في شهر نوفمبر عام ‏2002,‏ ودعا فيه واشنطن إلي ضرورة التصدي لإيران‏,‏ التي وصفها في حوار نشرته صحيفة (التايمز) اللندنية بأنها مركز الإرهاب العالمي‏,‏ وقال صراحة‏ً: إن على إدارة بوش أن تضع يدًا من حديد على إيران في اليوم التالي لاحتلالها العراق‏,‏ وفي أواخر أبريل ‏2003‏ ذكرت (هاآرتس) أن السفير "الإسرائيلي" في واشنطن بات ينادي بتغيير نظام الحكم في طهران‏,‏ وأن الإطاحة بصدام حسين ليست كافيةً‏,‏ وإنما يتعيَّن على القوات الأمريكية أن تمارس دورها التحريري بحيث تتحرك لصدِّ الخطر الإيراني‏.

 

وأضاف الباحثان أن المحافظين الجدد لم يضيِّعوا وقتًا لإعداد الوقائع والحجج المؤيدة لفكرة تغيير نظام الحكم في إيران؛ ففي ‏6‏ مايو من العام ذاته‏ (2003)‏ شارك المعهد الأمريكي- "الإسرائيلي" في دعم مؤتمر ليوم طويل حول إيران مع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية المساندة لـ"إسرائيل‏",‏ وبطبيعة الحال فإن أغلب المتحدثين دعوا إلى ضرورة العمل على إسقاط نظام طهران، وفي الاتجاه نفسه ظهر سيلٌ من التعليقات الصحفية التي تبنَّت الموقف نفسه‏,‏ كان من بينها ما كتبه وليام كريستول في صحيفة (ويكلي ستاندرد) في ‏5/12‏ قال فيه: إن تحرير العراق هو المعركة الأولى في تحديد مستقبل الشرق الأوسط‏,‏ لكن المعركة الأكبر والأهم هي مع إيران.

 

قال الباحثان أيضًا: إن إدارة بوش بضغط من اللوبي "الإسرائيلي" ظلت تعمل ليل نهار لإغلاق الملف النووي الإيراني، ولأنها لم تنجح في ذلك فإن اللوبي واصل ضغوطه، محذِّرًا من خطورة إيران النووية‏,‏ ومن استرضاء نظام إرهابي في طهران‏,‏ وملمِّحًا إلى أن سكوت الإدارة الأمريكية قد يضطر "إسرائيل" لاتخاذ إجراءات وقائية لصد الخطر الإيراني.

 

‏(4)

الكلام كثير حول الخطط الأمريكية لضرب إيران التي كشف جوانب منها سيمون هيرش، في تقريره الذي نشرته مجلة نيويوركر في شهر أبريل من العام الماضي‏,‏ لكنَّ المعلومات شحيحة والأسئلة كثيرة فيما يخص الشق الآخر المهم، المتمثل في الرد الإيراني‏,‏ مع ذلك فثمَّة إجماع بين الباحثين والمحللين على أن إيران ليست العراق‏,‏ وأنها تملك قوةً عسكريةً تمكنها من الرد‏,‏ سواءٌ على الطرف المحرض‏ "إسرائيل"‏ أو الفاعل "الولايات المتحدة" أيًّا كان دور كل منهما في العملية‏,‏ وهي لن توقع الهزيمة بأي منهما‏,‏ لكنها قادرةٌ على أن توجه إليهما ضربات موجعة‏.

 

يوفر لنا تقرير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية بلندن عن ميزان القوى لعام ‏2006 بعضًا من المعلومات عن قدرات إيران العسكرية‏,‏ فيتحدث عن أنها تنتج ما يقرب من ألفَي نوع من الأسلحة الدفاعية‏,‏ من الذخيرة إلى الطائرات‏,‏ ومن القوارب المجهَّزة بالصواريخ إلى الأقمار الصناعية‏,‏ وهي تصدر معداتٍ عسكريةً إلى أكثر من ثلاثين دولة بينها سبع دول أوروبية.

 

ذكر التقرير أيضًا أنه في عصر الشاه قامت ثلاث شركات أمريكية ببناء صناعات تجميعية في إيران تشمل المروحيات‏,‏ والطائرات‏,‏ والصواريخ الموجَّهة لاسلكيًّا‏,‏ والدبابات‏,‏ والمكونات الإلكترونية‏,‏ وقد جرى توسيع هذه القاعدة الصناعية خلال الحرب العراقية- الإيرانية‏؛‏ بحيث أصبحت إيران تملك الآن ترسانةً من القذائف والصواريخ يتراوح مداها بين ‏45‏ و‏2000‏ كم‏، كما أن لديها ‏19‏ مركزًا تعمل في الأنشطة الجوية الفضائية‏، وتستخدم أكثر من مائة ألف مهندس، وضرب التقرير مثلاً بمجمع في محافظة لورستان، قادر على إنتاج ثمانين ألف إطار للطائرات من مختلف النماذج؛ الأمر الذي يجعل إيران الدولة الأولى في الشرق الأوسط والسابعة في العالم التي تمتلك هذه التكنولوجيا.

 

أما البنية التحتية الصناعية الخاصة بالمروحيات؛ فهي تدعم أسطول الطائرات المروحية الذي يُعتبر الثالث في العالم‏,‏ وتنتج مؤسسة القدس لصناعة الطيران مجموعةً كبيرةً من الطائرات دون طيار لأغراض الاستكشاف والقتال‏,‏ كذلك قامت إيران بتطوير ترسانة الصواريخ الموجَّهة للسفن‏,‏ ولبناء الغواصات والزوارق السريعة المجهزة بالصواريخ التي تتميز بسهولة المناورة.

 

إذا حلَّت لحظة الجنون ووجِّهت الضربة العسكرية؛ فإن ذلك سوف يستدعي عدة أسئلة من قبيل: ما هي الأهداف التي ستوجِّه إليها إيران ردَّها؟! وهل ستكون "إسرائيل" من بينها؟! وما موقف الـ‏160‏ ألف جندي أمريكي الموجودين في العراق؟! وإلى أي حدٍّ ستتأثر دول الخليج عمرانيًّا وبيئيًّا بالحريق الكبير؟ وما هو موقف ملايين الشيعة خارج إيران في هذه الحالة؟ وماذا سيكون صدى الضربة في العالمَين العربي والإسلامي؟!

 

ذكرت مجلة (نيوزويك) في عددها الأخير‏ (25/ 9) أن صمت الدول العربية على الغارة "الإسرائيلية" التي ضربت سوريا قبل أسبوعين استُقبل بحفاوة ملحوظة في واشنطن وتل أبيب‏؛‏ لأنهم اعتبروه مؤشرًا على أن قصف إيران لن يحرِّك شيئًا في العالم العربي‏,‏ وهو استنتاج مغلوط‏,‏ ليس فقط لأن صمت الحكومات لا يعني بالضرورة استكانة الشعوب وتخاذلها‏,‏ لكن أيضًا لأن رسالة الضربة العسكرية المفترضة مختلفة‏؛‏ إذ إن تدمير القدرة العسكرية لإيران يراد به أن تظل "إسرائيل" صاحبة اليد الطولى في المنطقة‏ القادرة على تركيع الجميع وإذلالهم‏,‏ ونحن منهم‏,‏ وهي رسالة ينبغي ألا نخطئ في قراءتها‏؛‏ لأننا معنيون ولسنا متفرجين‏,‏ ومن يقول بغير ذلك يخدع نفسه ويخدعنا.

--------

* الأهرام 25/9/2007م