محمد السروجي

الواقع المصري مأزوم، بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، مأزوم على المستوى السياسي بإصرار النظام على إقصاء الآخر كل الآخر، والحكم بعزف منفرد، وعلى المستوى الفكري والثقافي بحالة المكارثية الجديدة والإرهاب الفكري التي تمارسها الآلة الإعلامية الحكومية ضد كل صاحب فكرٍ حرٍّ ومحايدٍ أو معارضٍ، وعلى المستوى الاجتماعي؛ حيث حالات الفشل المجتمعي، والمتمثلة في تراجع منظومة القيم الاجتماعية الأصيلة أمام القيم المادية الوافدة، وعلى المستوى المعيشي حيث المعاناة اليومية للمواطن المصري؛ بسبب غلاء الأسعار وتجميد الأجور، وعدم توفر الخدمات الأساسية للحياة الإنسانية.
هذا المناخ الخانق أفرز حالةً من اليأس والإحباط، سادت الشارع المصري (19% من المصريين يعانون الاضطراب النفسي؛ تصريح للدكتور ناصر لوزة (أمين عام الصحة النفسية بوزارة الصحة) على مستوى الجماهير بفقدان الأمل في تحسن مستوى المعيشة وعلى مستوى النخب؛ بأنه لا أمل في الإصلاح والتغيير السلمي في ظل المجموعة الحاكمة، هذا المشهد القاتم والتراجع المعنوي قد يكون صحيحًا إذا كان الرهان على صقور مؤسسة الحكم، أما عندما يكون الرهان على الشعب فالأمر يختلف لأنه بالفعل قد تحقق جملة من المكتسبات والنجاحات على المستوى المحلي والإقليمي الدولي، منها:
* الانتفاضة الشعبية لعمال مصر؛ حيث تم 350 مظاهرة عمالية من أسوان إلى الإسكندرية خلال النصف الأول لعام 2007؛ مما أربك الجهاز الأمني، وأثبت زيف التقارير التي تدعي أن كله تمام وتحت السيطرة.
* ظهور كيانات شعبية فاعلة وبديلة للكيانات المهيمن عليها الجهاز الأمني، مثل "مهندسون ضد الحراسة" و"معلمون بلا نقابة" و"الاتحاد العمالي الحر" وعدد كبير من المنظمات الحقوقية.
* كسر الهاجس الأمني لدى قطاع كبير من الشعب والإعلان عن تجاوزات المخالفين من رجال الشرطة والإصرار على محاسبتهم.
* كشف الغطاء عن الفساد المالي والإداري والسياسي مما شكَّل عبئًا على رئاسة مجلس الشعب، بلجوئه إلى مخالفة لائحة المجلس وعدم مناقشة الاستجوابات وعلى الوزراء؛ مما جعل حضورهم للمجلس كابوسًا لا يطاق.
* انتقال عدد كبير من النخب والرموز الوطنية من مربع الحكومة إلى مربع المعارضة (الدكاترة أسامة الغزالي حرب وهالة مصطفى).
* دخول قطاعات جديدة وفاعلة إلى حلبة التدافع الإصلاحي؛ مثل رموز القضاء والصحافة والأدب والفن وتحملهم لفاتورة وثمن الإصلاح.
* فشل مؤسسة الحكم بجناحيها الحزبي والحكومي في استقطاب الشارع السياسي، رغم توفر أدوات الاستقطاب (العصا والجزرة).
* قناعة غالبية الجماهير والنخب بأن مؤسسة الرئاسة تجاوزتها طبيعة المرحلة على مستوى الفكر والعمر والأداء والطموح.
* فشل المشروع الصهيوأمريكي في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان.
* ظهور نماذج ديمقراطية مبشرة في تركيا والمغرب وموريتانيا.
هذه المكتسبات لم تكن منحةً من الأنظمة المستبدة ولا ما يسمَّى بتيار الإصلاح فيها، لكنها بثمن باهظ، سدَّد فاتورته أنصار قوى الإصلاح من الدعاة والساسة والقضاة والصحافة الحرة ورجال الفكر والأدب، بل والفن والرياضة وأساتذة الجامعات وطلابها (من حملات إعلامية تحريضية واعتقالات ومصادرة الأموال والممتلكات).
والأمل أن يشارك الشرفاء والعقلاء داخل مؤسسة الحكم ليتضامن الجميع في مزيد من الانتشار المجتمعي الميداني؛ بهدف توضيح الرؤى في وقت اختلطت فيه الأوراق وبث الأمل في مرحلة اليأس والإحباط وكسب أنصار ومؤيدين جدد لمشروع الإصلاح.. هذا هو الرهان.