من الصعب على أي إنسان أن يعيش عالقًا بين وطنه المحبب إليه وبين بلد لفظته لا هي أعطته الإقامة في أرضها ولا هي منحته الحرية ومنحته حق العودة إلى أرضه عبر المنفذ الآمن كأبسطِ حقوق الإنسان وتزداد هذه الصعوبة مع إنسانٍ مرهفِ الحس يجب أن يعمل في أجواءٍ تُساعده على الإبداع والعطاء، بل يمكن أن نقول إنها ظروف قاتلة لو كان هذا المبدع امرأةً لها ابنة يتعلق قلبها بها وتُفكِّر بها ليلَ نهارَ تنتظر منها نظرةً واحدةً أو لمسةً حانيةً.

 

كل ذلك اجتمع في الفنانة الفلسطينية المرموقة أمية جحا التي كان قدرها أن تكون عالقةً بين مصر والأراضي الفلسطينية، وأن تكون فنانةً محترمةً تُجاهد بريشتها.

 

أمية جحا التي يطالع رسوماتها كل صباح القُرَّاء العرب في "الحياة" الفلسطينية و"الراية" القطرية، كما يطالعه متصفحو الإنترنت في موقع قناة "الجزيرة" القطرية الفضائية على الإنترنت قد لا يعلم الكثيرون أن رسوماتها وإبداعاتها تخرج من ركام حالةٍ إنسانيةٍ صعبة تمرُّ بها أمية ربما أحيانًا عبَّرت بريشتها عن ما تعيشه وفي أحيانٍ أكثر ترسم بريشتها مأساة أهلها في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتعايشهم بهذه الرسوم التي تعتبرها أداةَ جهادها لخدمة القضية الفلسطينية.

 

أمية جحا قدرها أن تكون فنانةً مجاهدةً بقلمها، فكل قطرةِ حبرٍ من قلمها يساوي عند الصهاينة قطرة دمٍ من جنوده الذين يتساقطون برصاص المقاومة.. فرسوم أمية تدفع المقاومة إلى الإمام بفنها عكس الفن الهابط الذي يخذل أمةً بغواية جنودها ودخولهم الحرب منهزمين.

 

أمية التي قام الاحتلال بضرب الصحيفة التي تعمل بها بالصواريخ بسبب كاريكاتير صور الجنود الصهاينة الستة القتلى في عملية الزيتون وهم يقفون خلف شارون ويشير إليهم قائلاً: "ها قد عدنا من الزيتون مرفوعي الرءوس"؛ مما أحدث ردَّ فعلٍ إيجابي في صفوف الشعب الفلسطيني الذي قام بتعليق هذه الصورة في كلِّ مكانٍ، بينما أثارت لدى الصهاينة مرارة الهزيمة.

 

مَن يشعر بمأساة أمية التي تعيش في العريش بجسدها، أما عقلها وقلبها ففي غزة؛ حيث ابنتها الوحيدة الطفلة نور ذات الخمسة أعوام التي حُرمت من رؤيةِ أمها منذ عدة أشهر بعدما حرمها الاحتلال من رؤيةِ أبيها الشهيد برصاصات الاحتلال الغادرة منذ عدة سنوات.

 

أمية تعيش في العريش ونظرها معلق بمعبر رفح تحلم بأن يشعر المسئولون في مصر بمأساتها ويسمحوا لها بالعبور إلى الجانب الآخر لرؤية نور أملها الوحيد الباقي على قيد الحياة.

 

أمية هي الفنانة العربية الأولى في كل شيء، فهي أول مَن رسمت في صحيفةٍ عربيةٍ يوميةٍ، وتحتل المكانة العربية الأولى في مجال رسم الكاريكاتير منذ عام 2002م، وهي الفنانة الوحيدة التي في ظل الاحتلال الصهيوني ثم الحصار الخانق على غزة قامت برسم وإنتاج أول فيلمٍ كارتون عربي كامل عن النكبة؛ لأنها ترى أن الفن يجب أن يخدم القضية، ولكن يا لحسرتها على الخذلان الذي قُوبلت به بعد خروج الفيلم للنور؛ حيث لا دعم ولا رغبةَ في شراء الفيلم، فمن أراد أن يعرض الفيلم لم يُرد أن يدفع فيه شيئًا يعوض الجهد والمال الذي بُذل فيه، ومَن دعا إلى دعم الفيلم أو حتى رعايته أعلنها صراحةً لا ندعم أفلامًا عن القضية الفلسطينية خشيةَ اتهامنا بدعم الشعب الفلسطيني.

 

مدير شركة جحا تون منتجة الفيلم قابل أحد أصحاب الشركات الفنية الكبيرة المشهورة في إنتاج رسوم الكارتون والأناشيد وغيرها عارضًا عليه شراء الفيلم فردَّ عليه قائلاً: "ممكن أدفع لك 10 آلاف جنيه من قِبيل دعمي لكم؛ لأنَّ الفيلمَ لن يحقق عائدًا كبيرًا؛ لأنه يخدم القضية الفلسطينية والجميع يخشى أن يُوضع في دائرة دعم الشعب الفلسطيني".

 

أمية وفريق العمل لم ييأسا من هذا الفتور الذي قُوبل به الفيلم من الشركات رغم إشادة الجميع به في العرض الخاص الذي نظَّمه اتحاد الأطباء العرب للفيلم بحضور دبلوماسيين فلسطينيين وسياسيين مصريين، فأعلنا عن دخولهم في إنتاج فيلمٍ جديدٍ عن جدار الفصل العنصري وبعده فيلم عن المسجد الأقصى يملأهم أمل اشتهر به الفلسطينيون رغم غياب أي بوادرٍ لإقدام أي شركةٍ لدعم أو رعاية الفيلمين، فضلاً عن الفيلم الأول.

 

أمية أيضًا هي الصحفية والفنانة الأولى في فلسطين التي يجمع عليها الكل أيًّا كانت انتماءاتهم؛ لأن همها الأول هو القضية الفلسطينية؛ لذلك فهي تشارك برسوماتها في صحيفة "الحياة" (القريبة من فتح) و"الرسالة" (القريبة من حماس)، كما أن رسوماتها غالبًا ما تتعلق بالقضايا الرئيسية في القضية الفلسطينية مثل اللاجئين وحق العودة والقدس والدولة الفلسطينية وغيرها.

 

أمية لا تيأس، وهذا حال كل فنانٍ صاحب قضية، بل لا أكون مبالغًا إن قلتُ هو حال كل فلسطيني مقاوم، ولكن قدرها أنها وُجدت في بيئةٍ محبطةٍ في كل شيء تنفق الملايين على الأفلام الهابطة وصفقات اللاعبين الفاشلة ولا تنفق إلا القليلَ جدًّا على أعمال هادفة تُغيِّر ثقافة أجيال استطاع الصهاينة والأمريكان أن يدفعوا المليارات لتغيير ثقافتهم وهويتهم.

 

أمل أمية الأول أن تعود إلى غزة لترى ابنتها وتُعيد الحياةَ إلى شركتها، وتُكمل في ظل الحصار حلمها بإنتاج أفلام وأعمال تخدم قضايا وطنها المحتل، ويأتي بعد ذلك أن تجد في أمتها مَن يدعم أو يرعى كل ذلك.