الصورة غير متاحة

 م. وائل عقيلان

كم هو عظيم هذا الشعب الفلسطيني الذي يصبر كل يوم في وجه الآلام والمحن! كل يوم يضاف إلى رصيده شهداء ومصابون, كل يوم يضاف إلى رصيده معارك وبطولات, كل يوم يضاف إلى رصيده أيضًا مصطلح جديد, فهو صاحب المصطلح الوحيد الذي لم يُترجَم إلى لغة أخرى، ألا وهو الانتفاضة, كما أنه صاحب مصطلحات: النكبة- النكسة- اللاجئين- النازحين، وأخيرًا وليس آخر، يضاف لهذه المصطلحات مصطلح العالقين.

 

العالقون هم اللاجئون الجدد، ولكن هذه المرة ليسوا لاجئين بأيدٍ أجنبية، بل هم لاجئون بأيدينا نحن, بأيدٍ عربية بامتياز, فاللاجئ هو مواطن يعيش على أرض غير أرضه مكرَهًا بصفة مؤقتة، ويعتمد في حياته على المساعدات، وهو يعاني غالبًا في تدبير أموره من أبسط مناحي الحياة, وإن كانت هذه الصفات لا تنطبق على اللاجئين الفلسطينيين أو لا يريد البعض أن تنطبق عليهم من ناحية اللجوء المؤقت, فالبعض لا يريد لهذا المواطن أن يعود إلى أرضه, ولكن هذه المواصفات تنطبق على العالقين.

 

أولاً: هم مواطنون يعيشون على أرضٍ ليست أرضهم، مكرهون بصفة مؤقتة, فهم ليسوا في بيوتهم, بل يعيشون في بيوت مستأجرة، وقد كان بعضهم يلتحف السماء، والبعض الآخر ينام بين الأشجار وفي ميادين مدينة العريش! هذا المواطن الذي خرج من بلده، وفي تخطيطه أن يبقى بالخارج لمدة أسبوع أو أسبوعين على الأكثر، وأعد العدة لذلك فإذا به يبعد قسرًا، وتمتد الفترة للبعض حتى تصل- حتى هذه اللحظة- لمدة ثلاثة أشهر!!

 

هل يملك هؤلاء العالقون مائة جنيه مصري لكل ليلة يبيتونها في منزل مستأجر؛ فالإيجارات هنا تتراوح ما بين مائة دولار إلى ثلاثمائة دولار لليلة الواحدة، أي ما بين ستمائة جنيه وألف وثمانمائة جنيه لليلة الواحدة، فمَن مِن هؤلاء العالقين قد أعد العدة لذلك, أو لِنَقُلْ: مَن مِن العالقين كان يملك أصلاً تلك الأموال في ظل الحصار المالي المفروض على الشعب الفلسطيني؟ هذا بالإضافة إلى العشرات المعتقلين في مطار العريش!!

 

ثانيًا: العالقون يعتمدون في عيشهم على المساعدات الخارجية, وهذا طبيعي جدًّا في حالة العالقين، فمَن كان يملك بعض المال ومعه عائلته كان يفضِّل أن يجد مكانًا يستره فيه على أن يهلك المال بالطعام والشراب, هذا فضلاً عمَّن فقد أصلاً المأوى والطعام والشراب، وأصبح يستجدي المال بل وحتى الماء, والبعض كان له أقارب في سيناء مكثَ لديهم، ولكن حالة الفلسطينيين الموجودين بسيناء ليست بأفضل من حال أهلهم في فلسطين, فأصبح هؤلاء الزائرون همًّا يضاف إلى همّهم.

 

ثالثًا: العالقون لم يكونوا يستطيعون أن يتدبَّروا أمورَهم في أبسط مناحي الحياة, فهم لم يجدوا حتى مياه الشرب، وللأسف هم حالة خاصة, كما أن أهل سيناء- بشكل عام- يعانون من نقص المياه العذبة، هذا إضافةً إلى عدم قدرة المرافق العامة على خدمة هذه الأعداد من العالقين.

 

وهنا سؤال يطرح نفسه: أين هم العالقون؟! هل هم فقط على الحدود الفلسطينية المصرية؟! للأسف.. وكم كنت أتمنَّى- برغم الألم في قبول هذه الأمنية- أن يكون العالقون فقط على الحدود الفلسطينية المصرية, ولكنْ للأسف هناك مئات العالقين في بلاد العالم المختلفة, فمصر تمنع استقبال الفلسطينيين الذين يريدون المرور إلى غزة, وكل قادم جديد يُرَدُ على أول طائرة عائدة إلى نفس البلد التي قَدِم منها, وكذلك الأردن قد حذَت حذْوَ مصر؛ فقد أغلقت هي الأخرى حدودَها في وجه الفلسطينيين من سكان قطاع غزه.

 

يقول الخليفة عمر بن الخطاب: "والله، لو وقصت دابة في أقصى العراق لخشيت أن يسألني الله عنها"، من الذي سوف يُسأل عن أكثر من 35 حالة وفاة بين العالقين؛ بسبب نقص الخدمات والعناية؟! مَن الذي سوف يُسأل عن عشرات الفلسطينيين الذين تضرَّرت مصالحهم أو فقدوا مصدر رزقهم؛ بسبب عدم قدرتهم على العودة إلى بلدهم، والذين هم أصلاً يعيشون في بلدهم فلسطين حصارًا خانقًا؟! من الذي سوف يُسأل عن حالة الحرمان التي يعيشها العالقون؟!

 

وهنا أذكر صورة كاريكاتيرية للفنانة الفلسطينية أمية جحا عن أبناء الأسرى وحرمانهم من الفرح بحضن أبيهم، والآن أصبح الطفل الفلسطيني يفقد أباه، إما شهيدًا أو أسيرًا أو عالقًا على حدود الوطن.

 

خرج البعض علينا بحلِّ لتلك المعضلة, حلٍّ يقضي على مصطلح العالقين, وهو إدخالهم عبر معبر العوجة, وهنا يجب أن يدخل الفلسطينيون عبر الحدود المصرية إلى المناطق المحتلة من فلسطين عام 1948 وهي تحت سيادة ما يسمِّى بـ"إسرائيل"، ثم ينقلون إلى أقصى شمال قطاع غزة، وبعدها يعبرون إلى قطاع غزة عبْر ما يسمَّى بحاجز إيرز, ويتناسى من نفَّذوا هذا المقترح ما أصاب المسافرين.. من إهانات وضرب وشتائم من جنود العدو، هذا بخلاف محاولات تجنيد العملاء من بين العائدين إلى غزة من قبل العدو؛ فهم الآن بين يديه، ولديه فرصة سانحة ليضغط عليهم؛ علَّه يحصل على من هو ضعيف الشخصية ويسقط في هذا الشَّرك!!

 

هذا بالطبع إضافةً إلى اعتقال المطلوبين لها، وقد حصل هذا بالفعل برغم الضمانات "الإسرائيلية" بألا تكون هناك اعتقالات، وكان آخرها اعتقال الشاب أحمد العيسوي من سكان مدينة غزه, فأين نحن من حديث نبينا الكريم "لا تتركوا أخاكم للشيطان", فما بالنا نترك أبناءنا فريسةً للشيطان, بل والأنكى من ذلك أننا نحن من ندفعهم إليه دفعًا؟!

 

أريد أن أذكِّر هنا بأنه لا يزال أكثر من 60 فلسطينيًّا معتقلين في مطار العريش وسجون مدينة العريش؛ وذلك دون سبب أو جُرم اقترفوه إلا لكونهم فلسطينيين يريدون العودة إلى وطنهم, وهنا أريد أن أسال العالمَين العربي والإسلامي, كنتم دومًا تَدَّعون أنكم العمق الإستراتيجي للشعب الفلسطيني وقضيته, فما بال هذا العمق هو من يحرم أهل فلسطين من العودة إلى وطنهم فلسطين؟!

-----

كاتب فلسطيني.