العلاقة بين الإخوان المسلمين وحركة حماس في فلسطين علاقةٌ حميمةٌ لكنها ليست علاقةَ تحالفٍ، وأن الحركتين لهما أوضاعٌ وحساباتٌ مختلفةٌ كل في نطاقها الإقليمي، بقطع النظر عن أية علاقة أخرى تنظيمية أو غيرها.

 

كذلك ليس صحيحًا أن انتعاش أحدهما يؤدي إلى انتعاش الآخر، وأن ذلك في ظني هو اجتهادٌ في غير محله أدَّى إلى آثار أبسط ما يُقال فيها وعنها أنها بالغة الخطر على علاقات مصر الدولية، كذلك فهي تنطوي على خلطٍ كبيرٍ للأوراق لا يجوز الاستطراد فيها، وتتحدد مقولتي في المطالبة بأن تتم دراسة آثار الخلط بين حماس وحركة الإخوان المسلمين.. فقد ظهرت عدة مؤشرات لهذا الخلط بين حماس والإخوان، وسبب هذا الخلط هو الاعتقاد الصحيح أو الخاطئ بأن حماس امتداد للإخوان أو هي الإخوان في فلسطين أحيانًا، وتفرَّع عن ذلك نتيجة مهمة وهي أن نجاح حماس في فلسطين في الانتخابات في يناير 2006م، كان أثرًا من آثار نجاح الإخوان في أن يكون لهم أقل من ربع أعضاء مجلس الشعب في مصر.

 

معنى ذلك أن دخول القوتين إلى السياسة الداخلية كان قرارًا صائبًا من وجهة نظر الحسابات الإستراتيجية للحركتين في منطقتهما، ولكن جانبًا من المراقبين ذهب بالنتيجة إلى الأبعد، وهو أنه إذا كانت حماس قد تسببت بهذا النجاح في شقاء الشعب الفلسطيني فإن ما يعانيه الإخوان في مصر كفيلٌ بأن تقرر قيادة الحركتين الانسحاب من الحياة السياسية ما دام وجودها يُثير هذا القدر الهائل من المشاكل، بل ذهب غيرهم بهذه النتيجة إلى أبعد من ذلك، فاعتبروا أن نجاح حماس والإخوان سوف يجلب نجاحًا لكل التيارات الإخوانية في العالم العربي التي حققت بالفعل بعض النجاح في الكويت والبحرين والأردن وغيرها، بصرف النظر عن الانفصال المؤقت بين النجاح في الانتخابات التشريعية، والتأثير في الحياة السياسية والبرلمانية.

 

من أسباب هذا الربط هو تعاطف الإخوان مع حماس ومساندتهم السياسية وربما المادية لهم، وتفسير هذه المساندة هي أنها تعبير عن وحدة الفكر السياسي والديني أكثر من كونه تعبيرًا عن التضامن مع حركةٍ مرجعيتها إسلامية وتقاتل ضد الاحتلال الصهيوني، وإذا كانت حماس والإخوان في خندقٍ واحدٍ ضد الاحتلال، فهو نفس الخندق الذي تقف فيه الشعوب العربية والإسلامية وكل الشعوب التي ضاقت ذرعًا بالغضب الصهيوني، ولكن عددًا من الكُتَّاب طوَّر هذه الفكرة فافترض أن حماس خصمٌ للحكم في فلسطين، مثلما أن الإخوان خصمٌ للحكم في مصر، ومن شأن مناصرة حماس أن تكون مناصرةً ضد الحكم وليس ضد الكيان الصهيوني مما يؤدي إلى القول بأن الحكم في العالم العربي يتساند ضد خصومه في الداخل، ومن ثَمَّ فسر هؤلاء موقف مصر الرسمي من الصراع على السلطة في فلسطين بأنه موقف مؤيد لأبو مازن ضد حماس من هذه الزاوية، وليس لأن أبو مازن على حقٍّ أو على باطل.

 

بل زاد هؤلاء همسًا أن الموقف الحكومي العربي من حماس أملته الولايات المتحدة، ولكنه لقي هوى في نفس حكومات العالم العربي، مما دفع الإعلام الرسمي إلى الميل نحو أبو مازن أكثر من كونه تأييدًا لفتح ضد حماس، وقد دخل العلمانيون المصريون على الخط وهم الذين يطلقون على أنفسهم "المثقفون" المستنيرون، مقابل الآخر المتدين المنغلق المتخلف، فهاجم هؤلاء العلمانيون حماس امتدادًا لهجومهم على الإخوان رغم أن الموقف التاريخي للعلمانيين بوصفهم تقدميين كانوا دائمًا في تيارات اليسار الذي اتخذ موقفًا من الدين ومن الاستعمار ومن الصهيونية، ومن النظم الاستبدادية، ومن كل مَن يصادر حرية الإنسان سواء كان بشريًّا أو سماويًّا.

 

وقد اجتهد بعض هؤلاء اجتهادًا نادرًا وكأنه يضع يد السلطة على أشد أعدائه وتجاهل تمامًا جوانب القضية الخطيرة، حيث شجَّع الطرف الآخر في المعادلة في الحالتين؛ فأيَّد الكيان ضد حماس، كما أيَّد الحكمَ في مصر ضد الإخوان، وتجاهل الفارق بين الخصمين، فالحكم في مصر في علاقته بالإخوان له إطارٌ داخلي وطني لنا عليه تحفظات كثيرة في نفس السياق بحسبان أن الحكم يعلن أنه يسعى إلى إقامة نظامٍ ديمقراطي، وأن هذا الإعلان يحتاج إلى متطلبات عملية من الشفافية واحترام القانون والمنافسة الشريفة المتكافئة، أما الكيان فيعتبر الصراع مع حماس جزءًا من المشروع الصهيوني لتصفية الخصوم المناهضة لهذا المشروع ويعتبر الكيان الاحتلال مشروعًا لأنه أداة تحقق التهام فلسطين.

 

ولا أظن أن الحكم والعلمانيين في مصر يقصدون مناصرة الكيان وعونه على مشروعه الصهيوني في فلسطين، وقد ظهر خبر في الصفحة الأولى في الصحف المسماة بالقومية مفاده أن من بين التهم الموجهة إلى قيادة الإخوان العثور بحوزتهم على نشراتٍ تُفيد مناصرتهم ودعمهم لحماس، وقد تصورت أنني أقرأ جريدة "إسرائيلية"، أو خبرًا عن الحكومة الصهيونية منشورًا في هذه الصحف المسماة بالقومية حتى إن أوسعها انتشارًا جعلت هذا الخبر هو المانشيت الرئيسي.

 

فإذا صحَّ أن مساندة حماس في مصر ضد المحتل الصهيوني أصبح جريمةً؛ فإن لذلك ثلاث دلالات خطيرة:

الدلالة الأولى: هو تجريم التضامن مع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني وهذا يتناقض مع الموقف المصري الرسمي الذي وافق في قمة الرياض على دعم المقاومة ما دامت "إسرائيل" ترفض مساعي السلام.

الدلالة الثانية: أن كل الشعب المصري مرشحٌ لنفس الاتهام.

والدلالة الثالثة: أن الإمعان في مطاردة الإخوان بلغ حدَّ تجاوز الكثير من التقاطعات السياسية الحادة؛ مما يتعين معه الحذر في الخلط بين العداء للإخوان والعداء لحماس.

 

ولعله من المعلوم بالضرورة أحيانًا أن قضية الحريات في مصر تحتاج إلى مراجعة، وأن ضيق الحكم بأي منافسٍ مسألة مشروعة، لكنها تتطلب التعبير عنها بوسائل مشروعة إذا أخدنا معنى الضيق على أنه مزاحمة، وهو في النهاية حرصٌ على الاستحواذ على ثقة الشعب وليس على الغنائم.

 

وأظن أن الشعب يريد أن يرى منافسةً مشروعةً في ساحةٍ واسعةٍ بين أكثر من متنافسٍ على ثقته، وألا ينفرد طرفٌ بالساحة حتى لا تنتشر المقولة الشائعة بأن الشعب لا يجد بديلاً وهو يرى البدائل تُقمَع في مهدها والكفاءات تُقبَر في معازلها، فيصبح المسرح واحدًا والنص واحدًا والممثل واحدًا في عرضٍ ركيكٍ لا يليق بدعاوى الديمقراطية.

 

إن الصراع في فلسطين سببه الأساسي مخطط "إسرائيل" الذي نجح فضيَّق على الجميع وعاقب الجميع ثم أفرد حماس وهو عازمٌ على القضاء عليها، ولكن الحقيقةَ هي أن الزبد هو الذي يذهب جفاءً، وأن ما ينفع الناس هو الذي يمكث في الأرض.. تلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.