في هذا المناخ القاتم الذي نحياه، ويراه المنافقون من كل لون واتجاه مناخًا ديمقراطيًّا ونعيمًا قائمًا لا نستحقه!! تتوالى الأحداث المؤسفة، من تعذيب وقتل لإخواننا وأبنائنا المصريين في مراكز الشرطة وسجون النظام المصري بلا توقف!! وهنا تزاحمت الأسئلة وكثرت علامات الاستفهام أمام أنظار الشعب المغلوب على أمره:

1- لماذا ضحايا الأقسام ومراكز الشرطة أغلبهم من المتهمين الجنائيين، بينما ضحايا السجون من السياسيين (كمال السنانيري وسليمان خاطر وأكرم الزهيري وأخيرًا أيمن إسماعيل)؟!

 

2- لماذا تتشابه تصرفات المخبرين وأمناء الشرطة والضباط مع المواطنين في أي مكان في مصر؟ هل المنهج والنظام يحتِّم التعامل بمثل هذه الأساليب الهمجية؟

 

3- لماذا تتكرر نفس الحوادث رغم ملاحقة الرأي العام وهيئات المجتمع المدني والإعلام للجرائم السابقة وملاحقة مرتكبيها؟ هل هو الفجور أم هيبة الدولة أم العناد والصلف من نظام الحكم بأكمله ضد شعبه؟

 

4- لماذا تخرج التقارير الطبية غالبًا لتبرِّئ الجناة الرسميين؟ وتقارير الطب الشرعي تخالف الحقائق وشهادات الشهود؟ بل لماذا يتأخر صدورها أصلاً (تقرير حارث مدني المحامي لم يصدر منذ عام 1992م)؟!

 

5- لماذا تصمت نقابات الأطباء التي تقبع بجوار مراكز الشرطة والسجون في مختلف محافظات مصر، وعلى رأسها النقابة العامة بنقيبها القويّ الدكتور حمدي السيد، رغم ما نعرفه عنه من قول الحق حتى لو خالف سياسات حزبه الحاكم الذي ينتمي إليه بسبب هذه التجاوزات التي يرتكبها أطباء السجون والمستشفيات العامة والطب الشرعي؟! هل لأن أغلب أعضاء مجالسها توفاهم الله بعد أن أوقف النظام انتخاباتهم وعاندهم وملَّ مَن تبقَّى منهم العمل والمقاومة؟ أم لأنهم فقدوا الأمل في ردود أفعال إيجابية ممن اتهموا قبل ذلك من رجال الشرطة الذين يحميهم النظام؟!

 

6- لماذا لا يتم عمل قائمة سوداء بالأطباء الذين يخونون الأمانة التي أقسموا عليها للحفاظ على حياة المرضى والمصابين الضعفاء وكشف الحقيقة لا غيرها والتي تحفظ حقوق المرضى والمعذبين والقتلى من ضحايا الظلم في أي مكان؟ أسوةً بالقائمة السوداء للقضاة الذين فرَّطوا في شرف وعدالة وحيادية القضاء المصري؟!

 

ألا يمكن تدشين هيئة مدنية تلاحق هؤلاء المجرمين والمتستِّرين عليهم، وتفضحهم تحت اسم "أطباء ضد التعذيب"، كما فعل أطباء العالم في الخبر الذي تطرقت إليه صحيفة (الإندبندنت)- في عددها الصادر يوم الجمعة- إلى معاملة السجناء في معتقل جوانتانامو، وكتب محرر الشئون الصحية جيريمي لورانس عن الاتهامات التي وجَّهها أكثر من 260 طبيبًا للولايات المتحدة؛ بسبب الممارسات غير الأخلاقية في جوانتانامو، وفي رسالة نُشرت في مجلة (لانسيت) الطبية يتهم الأطباء (وهم من 16 بلدًا) الجهاز الطبي الأمريكي العسكري، "بغض الطرف عن إثباتات واضحة تشير إلى استعمال أساليب غير أخلاقية ضد السجناء وبخاصة تعذيبهم".

 

لقد سئمنا موقف وزارة الداخلية التي يبدو أن المسئولين فيها- الذين يدركون أن للكون ربًّا يديره- قد أقسموا على الله ألا يحاسبهم على كذبهم الذي أدمنوه ويمارسونه بلا تردُّد أو تراجع في تعاملهم اليومي أو حتى في تصريحاتهم وبياناتهم التي تلوي الحقائق وتزيِّف الواقع وتتهم البريء وتبرِّر للظالم أعماله، وقد تحدَّدت رسالتهم ومنهجهم في عدة نقاط لا يحيدون عنها:

1- إسباغ الحماية على فساد وتجاوزات الضباط والمخبرين من حيث المبدأ.

 

2- استمرار خداع الرأي العام ببيانات كاذبة لا تعترف بالحقيقة وتزوّر الوقائع.

 

3- تجاهل وقائع التعذيب والقتل بمبررات غير معقولة، مثل ضرب رأسه في الحيط وشنق نفسه في كوع الحوض!!

 

4- استباحة تزوير أوامر القبض على الأبرياء الصادرة من النيابة العامة (دون أي رد فعل من النائب العام)!!

 

5- التلاعب في التقارير الطبية الصادرة من المستشفيات والطب الشرعي أو منع صدورها أصلاً (دون أي رد فعل من نقابة الأطباء)!!

 

6- التأثير على مسار بعض القضايا بعرضها على قضاه بعينهم (مثل قضايا جريدة (الشعب) وكل السياسيين المعارضين)، أو تجاهل تنفيذ الأحكام القضائية النهائية!!

 

7- الاستمرار في تكرار وقائع التعذيب بكل مراكز الشرطة دون تراجع وبلا مراجعة أو محاسبة جادة.

 

8- التحكم في تحريك الدعوى القضائية ضد القائمين على التعذيب وممارسة الضغوط والتهديدات على الأهالي للتنازل أو تغيير شهادتهم؛ حمايةً للقتلة والمجرمين من أبناء الوزارة!!

 

9- إدمان تلفيق بعض القضايا للأبرياء لتسديد خانات القضايا وغلقها، بغض النظر عن الفاعل الحقيقي، وهو علامة فشل مهني واضطراب نفسي لدى كثير من ضباط الشرطة! (مثل الممثلة حبيبة وبريء بني مزار وغيرهما).

 

ألم أقل لكم إنه ما زال أمامنا الكثير كي نفعله لمناصرة الحق والوقوف بجانب المظلومين في مصر، وما أكثرهم!! فقبل أن نلوم الظالم على ظلمه والمجرم على جرمه نحاسب أنفسنا كيف خرج هؤلاء من بين صفوفنا؟ وكيف تركناهم يبيعون أنفسهم للشيطان الجاثم على صدورنا؟ وكيف لم نأخذ على أيديهم؛ بتحذيرهم ثم فضحهم وتجريسهم إن لم يستجيبوا؟!

 

نحن نحتاج- كأطباء- إلى متطوعين في كل مكان بمصر للبدء في إنشاء (حركة أطباء ضد التعذيب) لتعقب ضعاف النفوس من الأطباء أو الفجَرة منهم لنصحهم ثم فضحهم إن لم يستجيبوا للحق والعدل وشرف المهنة؛ لعل ذلك إن شاع أمره يردع هؤلاء من العبث في حقوق المظلومين.. هل نأمل في دعوة من نقابة أطباء مصر للاهتمام بأبنائها وحمايتهم من أنفسهم، وأغلبيتهم بلا شك شريفة مجاهدة تؤدي أعمالها في أصعب الظروف وأسوأ الأحوال بعد أن تخلت الدولة عن مواطنيها، ومحاسبة المخطئ منهم والمتستر على جرائم النظام المصري التي لا تنتهي؟!

 

نرجو ذلك، وليحملْها الأستاذ الدكتور حمدي السيد ومن تبقَّى من أعضاء مجلس النقابة لكل أطباء مصر في إفطاراتهم الرمضانية بكل محافظات مصر، وكل عام ومصر وشعبها بخير، ونحن في أوطاننا أعزّ وأكرم، وإلى الله عز وجل أقرب، ورمضان كريم.

---------------

* drhishmat@yahoo.com