الصورة غير متاحة

 د. حامد أنور

 

أخطر النتائج المترتبة على الاقتصاد الحر في مصر هي أمواج البطالة المتتابعة وهي التي تتوالد عوامل انتشارها من أول أن رفعت الدولة يدها عن تعيين الخريجين، وأصبح كل شخص هو وقدرته على النحت في الصخر حتى تتراءى له أشباح وظيفة في الأفق البعيد ليفاجأ بعد جهد طويل أنها مؤقتة ويعود إلى أحضان الرصيف من جديد، وثانيًا لأن من حق الشركات الكبرى والمستثمرين الأجانب أن يأتوا معهم من بلدانهم أو أي مكان آخر بعمالة خاصة لهم خاصة أن جريدة "الأهرام" نشرت يوم الخميس الموافق 6/9/2007م، على لسان وزيرة القوى العاملة أن مصر وقعت على اتفاقية تحرير انتقال العمالة بين البلدان، ويبدو أن العمالة في ظل الاقتصاد الحر لن تخضع لاتفاقية سايكس- بيكو، وأن الغرب الذي أقام سايكس- بيكو ها هو يمزقها من أجل المصالح الاقتصادية.

 

كما سيؤدي انتشار البطالة إلى تدني الأجور لزيادة العرض من العمالة وسهولة استقدامها من الخارج فتزداد المحن الاجتماعية فورانًا ويصبح أجر العامل لا يضمن له الكفاف والوقاية من شر السؤال ويصبح الجميع في حالة لهاث جامح، وحيثما سيرحل رأس المال سيرحل الناس معه، وستتفرق الأسر والأبناء كل يمضي إلى مبتغاه كل يبحث عن ليلاه لن يجد أحدًا وقتًا ليجالس أطفاله أو يقابل أصدقاءه لقد فرقتهم طاحونة الاقتصاد الحر، وسيهاجر خيرة عقولنا إلى الخارج وتصبح مصر خاوية إلا على ذوي القدرات المحدودة وهذا الذي دفع أحد المسئولين الغربيين إلى أن يقول: "إننا نحيا في عصر النفير العام إلا أن الفارق بين الوضع الذي نعيشه وزمن الحرب هو أننا استبدلنا بالأسلحة والجنود الأيدي العاملة فنحن ننهب من أفقر الدول خيرةَ ما لديها من كفاءات علمية وعقول، أما أبناؤها المحرومون فإن مصيرهم ومصير العجزة والمرضى منهم لا يهمنا أبدًا إننا نتهالك على استقطاب الطليعة المثقفة في هذه البلدان"، هذه الكلمات هي لوزير العمل الألماني السابق نوربرت بلوم، والتي أوجز فيها واقعًا نحياه الآن وبدأت ملامحه تتشكل.

 

وفي ظل هذا الركود الاقتصادي الخانق وغير المسبوق والتململ الشعبي العام تخرج تصريحات من نوعية إن النمو الاقتصادي المصري قد ارتقع بمعدل أكثر من سبعة في المائة، ويزيد الأمور سخرية أن الوزير يوسف بطرس غالي أصابه الحزن الشديد لقد كان يبغي أن يصل إلى تسعة في المائة. 

 

لا تدعهم يخدعوك إنه تسويق الوهم لدى البسطاء فإن تلك الزيادة على افتراض صحة تلك الأرقام المزعومة، أين ذهبت؟ لم تذهب للرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية وارتقاء أحوال المواطنين الكادحين، إنها ذهبت إلى ثروات القلة المسيطرة على الاقتصاد القومي وليس إلى العمال، إنها تزيد الأصفار في البنوك الخارجية.

 

"إن عدد السكان في تلك المدينة تجاوز أربعة عشر مليون نسمة وعدد سكان ضواحيها قد بلغ 3 أو 4 ملايين نسمة ويتكون هؤلاء السكان من خليط من البشر نجوم الفن والسياسة والاقتصاد ومن المتسكعين والمتشردين من أصحاب الملايين والمليارات من المحرومين والجياع من حالمين مستسلمين للرؤى الوردية وماديين يحسبون لكل شيء حسابه من قانطين يائسين وطيبين قانعين برزقهم البسيط من مستضعفين مسلوبي الإرادة ولصوص لا يعرفون الرأفة من خليط ينتمي إلى قبائل تتصارع فيما بينها كما لو كانت من جنس الهنود الحمر قبائل يقودها سحرة التقدم التكتولوجي وكهنته، الكارثة المطلة على الأبواب خليط بعدد النمل يدب ليل نهار إما سالبًا أو مسلوبًا إما غازيًا وإما مغزوًا، خليط يكتنز الذهب ويتعطش للدماء ويلوك أحشاء المجتمع".

 

هذه هو اقتباس من تقرير وصف الأوضاع في لوس أنجيلوس الأمريكية منقول من كتاب سلسلة "عالم المعرفة" بعنوان: "اقتصاد يغدق فقرًا" للكاتب هورست أفهيلد عدد يناير 2007 ترجمة عدنان عباس.

 

فهل هذا العالم الموحش المقفر هو ما يعدنا به كهنةُ الاقتصاد الحر عالم من جزر قليلة من الرفاهية في بحر واسع من العشوائيات؟!

-------------------