خرج السيد أحمد نظيف رئيس وزراء مصر بتصريحات من خلال مؤتمر (اليورومني في القاهرة) يعلن فيها ويطمئن الجماهير والشعب المصري كله (لا تقلقوا من التوريث، وهناك سيناريو منظم لانتقال السلطة).. وكلكم يعلم أن التوريث له معان متعددة، منها:
التوريث السياسي
وهذا حدث في عهد عبد الناصر عندما عيَّن السيد محمد أنور السادات نائبًا له، وكذلك حدث من السادات عندما عيَّن السيد محمد حسني مبارك نائبًا له، ولكن لم يعيِّن السيد الرئيس محمد حسني مبارك نائبًا له، وبالتالي التوريث السياسي حتى اللحظة الراهنة غير وارد.
التوريث التبشيري والعلمي
مثل (العلماء ورثة الأنبياء).. توريث الحرفة والمهارة والعلم، وهذا خارج إطار الموضوع.
التوريث بالنسب
أن يرث الابن أباه، وهذا حق وواجب في الأموال، بل إن المال الوحيد الذي يدخل ذمة الفرد رغمًا عن أنفه هو المال الوارد إليه بطريق الميراث، والأنبياء والأولياء لا يورثون حُكمًا ولا مالاً، وإنما يورثون علمًا ومفاهيم ورسالة ومهامَّ، حتى الخلفاء رفضوا توريث الحكم عن طريق النسب، وقد قالها عمر رضي الله عنه: "كفى من آل الخطاب أن يحاسَب واحدٌ منهم"؛ لما يعلم من شدة الحساب على الحاكم ومسئوليته عن حياة الناس، أمنهم وأمانهم، وأكلهم ومشربهم وحرياتهم وأموالهم، فهو عندهم أجير وبين يدي ربه محاسَب، ليس فقط عن الإنسان، إنما أيضًا الحيوان؛ لذا قال عمر رضي الله عنه: لو عثرت بغلة بأرض العراق لخِفت أن يسأل الله عنها عمر: لِمَ لَم يمهد لها الطريق؟!
هذا الطريق الذي يبتلع الأطفال عبر البالوعات..!!
هذا الطريق الذي تحدث فيه حوادث الصدمات لأنه غير آمن، حتى وصل عدد قتلى السيارات رقمًا يجاوز قتلى بعض الحروب..!!
مسئول عن مشربهم.. لا أن يقول كوزير الري: لست مسئولاً عن أن يشرب 100% من المواطنين ماء ببلاش، تُرى ماذا كان يقول لو لم نكن في بلد النيل؟!
مسئول عن مأكلهم.. لا أن يصل الفقر مداه بمصر، حتى أصبح معدل الفقراء في مصر يتجاوز أكثر من 63% من الشعب، إذا طبَّقنا معدلات تقرير التنمية البشرية؛ حيث قال إن معدل الفقر عندما يكون دخْل الفرد 2 دولار يعني أسرة مكونة من 6 أفراد دخلها لا بد ألا يقل عن 2000 جنيه؛ فإن قلَّ كانت فقيرة، والفقر المدقع معدله ألا يقل دخل الفرد عن 1 دولار!!
مسئول عن مسكنهم.. حتى يقال الآن إن مصر تسبح في بحيرة من مساكن العشوائيات، لا أن يعيش ما يقرب من 10 ملايين مواطن في المقابر!!
مسئول عن حياتهم.. لا أن يضربهم ويقتلهم ويعذبهم ولا يحاسب القاتل؛ لذا رفض أبو بكر أن يرثه ابنه عبد الله بن أبي بكر في الحكم، ورفض عمر أن يرثه ابنه عبد الله بن عمر في الحكم، ورفضا أيضًا أن يرشَّحا أحدًا حتى لا يتحمَّلا إثمًا إن لم يحسنا الاختيار وفوَّضا الشعب في اختيار حاكمه.
وبدوري أتساءل عدة أسئلة عندما يقول السيد نظيف لا تقلقوا من التوريث..
هل هذا الكلام يبعث على الاطمئنان؟
هل التوريث حقٌّ للسلطة أم حقٌّ للشعب؟
هل ليس لشعب الحق في اختيار حاكمه عبر اختيار حر مباشر، بدون فرض إرادة من السلطة الحاكمة؟
إلى متى يتم تغييب الشعب المصري خارج معادلة الحكم؟
إلى متى تقولون للشعب "إحنا بنحكمكم غصبًا عنكم؟
إلى متى تقولون إننا قسمنا الأمر بيننا، أنتم شعب على طوال الزمان واحنا حكام على طول الدوام؟
يقول السيد نظيف: إن هناك "سيناريو" منظَّمًا لانتقال السلطة؟ مطلوب الآن من السيد نظيف أن يكشف لنا عنه؟ ما هو السيناريو المنظَّم؟ وما خطواته ومن الذين اختاروه؟ وما صفة وسلطة من اختار هذا السيناريو؟ هل الشعب اختار هذا السيناريو أم أنه اختيار نخبة من أهل المصالح والمطامح والمال والأعمال الذي يسيطرون الآن على القرار السياسي؟
وأصبح الحكم يُسهم بشكل كبير في زيادة وحماية أموالهم التي اكتسبوها بغير حق؟ هل السيناريو القادم يضمن عدم ثورة الشعب؟ من أين يستمدّ الرئيس القادم شرعيته؟ هل من الشعب؟ أم ثورة يوليو؟ أم ثورة التصحيح؟ أم النسب؟ هل هناك دور للشعب ومجلس الشعب في اختيار الاسم القادم؟
مطلوب الآن من مجلس الشعب وكل الكيانات الشعبية أن تسأل السيد نظيف أن يكشف لنا عن اسم المرشح، وكيفية ترشيحه وسيناريو تقدميه، ومدى التوافق القانوني والدستوري مع هذا الاختيار؟!
إلى متى تعتقدون أنكم تقودون شعبًا أعمى، وأنكم الوحيدون المبصرون، وأن الشعب لا يصلح في اختيار حاكمه وليس له الحق ولا السلطة؟
إلى متى تظل المشروعية ليست المشروعية القانونية والدستورية، وإنما المزاجية والأهواء؟
إلى متى تظل الشرعية شرعية العصا لا شرعية الشعب؟!
-----------
* المركز المصري للإعلام والثقافة والتنمية.