سرعة التطورات في فلسطين تجعل من الصعب على أي أحد كان أن يجاريها، وكلما باشرت في تعليق أو تعقيب على موضوع ما استوقفني موضوع آخر، وهكذا حتى يجد المرء نفسه في مواجهة مع الحدث، فيقرر التوقف والبدء من جديد، لكن الأمر ليس تعقيبًا أو تعليقًا، إنه يتعلق بحياة الملايين ومستقبلهم وحقوقهم، يتعلق بمحاولات مستمرة متكررة لتجويعهم وتطويعهم، ويتعلق بتخطيط مسبق الإعداد والتجهيز بين الاحتلال وأذنابه، وبسياسة مبرمجة وعلى مراحل للسيطرة على كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني، فللموضوع أكثر من عنوان.
عدوان وعدوان
للعدوان هذه الأيام وجهان.. عدوان من قوات الاحتلال الغاشم لم يتغير لا شكله ولا نوعه، رغم كل اللقاءات بين الأحبة الغيارى تحت مسمى السلام، ولم يتأثر بالوعود الرنانة للمحتل، ولا بشهادات حسن السيرة والسلوك التي أطلقها باراك وليفني بعد تسليم الضابط في جنين، عدوان يزداد شراسةً مع كل طأطأة من جانب عصابة عبّاس ومن معه في إذلال مهين لهم، يطلقون سراح مئات الأسرى ليعتقلوا الآلاف، ويرفعون حاجزًا هنا أو هناك لينصبوا غيره العشرات، أما الاقتحامات والاجتياحات فحدث ولا حرج.
وهناك وجه آخر للعدوان، وجه فلسطيني بغيض وباسم الشرعية المزعومة، عدوان على كل شيء، قانون تقزم في مراسيم، ومؤسسات اجتماعية صارت بين يوم وليلة إرهابية، واعتداءات فاقت الألف على كل من ينطق غير لغتهم السياسية، وتصريحات وأبواق تهاجم كل من يعارضها، عربًا أو عجمًا، أفرادًا أو مؤسساتٍ، عدوان من أذناب الاحتلال استرضاءً للاحتلال، وعلى أساس على عينك يا تاجر!
دحلان والفلتان
يمنّي غوغاء غزة أنفسهم بإشاعات يتداولونها مفادها أن دحلان سيعود للقطاع وبمفاجأة غير مسبوقة يوم السبت القادم 15/09/2007، ويقولون فيم يحلمون إنه مخلصهم وزعيمهم الأوحد، وإنه ما ترك القطاع- يقصدون هرب وفر- إلا ليعود إليه بعد ترتيب الأوضاع وتنسيقها، وإن إشارات العودة المظفرة بدأت من خلال الأوامر المنهالة عليهم بالخروج والتمرد ونشر الفوضى والفلتان.
لا عجب أن يمنوا أنفسهم بعد أن دبت في شرايينهم الحياة، لأنهم لا يعيشون إلا في مستنقع الفوضى والفلتان ولا يجيدون غيرها، ولا بأس من استغلال ما يتوفر: صلاة تذكروها، فصائل ماتت فأحيوها، صحافة ديست في الضفة وفي غزة استنطقوها، وإشاعات بعودة رموز من غزة طردوها!
دحلان هو سيد الفلتان بدون منازع، ورأس الفتنة بامتياز، وهو يحاول اليوم أن يعود من شباك غزة بعد أن طرد من بابها، وحجة المرض والعلاج انتهت، وزيارات ألمانيا وصربيا أيضًا انتهت، وعبّاس قبل صاغرًا عودته فاستقبله ورحب به، ودوره المرسوم كزعيم مزعوم لم ينته، وسيبقى محاولاً.... وسنبقى له بالمرصاد!
أعداء الإنسان
درسنا فيما درسنا في الخوالي من الأيام أن أعداء الإنسان ثلاثة: الجهل والفقر والمرض..
اليوم يتحرك أعداء الإنسان أو أعداء شعبنا الفلسطيني تحديدًا ليحاربوه بها، حاولوا تجهيله العام الماضي بإضراب مسيس فرض بقوة السلاح، وأطلق فيه الرصاص على أطفال توجهوا لمدارسهم، ومنع ورثة الرسل من أداء مهمتهم، وحاولوا ويحاولون إفقاره بشتى الطرق: قطع للرواتب، منع للمساعدات، سجن كبير بالتآمر لإغلاق المعابر، تهديد بالماء والكهرباء، عقاب جماعي لا يرحم كبيرًا أو صغيرًا، ووصلوا لمحاربة الشعب في صحته..
المرض هو الهدف التالي، أوعزوا لأشباه الرجال ممن باعوا ضمائرهم الميتة أصلاً من أطباء وغيرهم لينفذوا إضرابًا من نوع آخر، خلاصته ليمرض الشعب ويموت لا يهم، ما يهم هو شرعيتنا المقدسة في رام الله، ولتذهب غزة ومن فيها للجحيم طالما بقينا نحن.
في عراقنا المكلوم يُستهدف الأطباء ويقتلون، وقد سقط منهم حتى اللحظة أكثر من 200 طبيب، ومع ذلك لم يتركوا مواقعهم ومستشفياتهم ومرضاهم، ولم يقرروا العمل بين ساعتين فقط (من 8: 11 صباحًا).
أما في غزة، فلا أخلاق مهنة، ولا أخلاق بشر.. الراتب قبل كل شيء، والمريض هو مجرد وظيفة وصولاً لهذا الراتب، فإن مات أو قتل فقد خفف عنا وأراحنا!! بئس الأطباء أنتم، ولكم خزي الدنيا والآخرة!
"مفتحين بمدينة عميان"
هذا مثل شعبي سمعته من جدتي أكثر من مرة، تذكرته وأنا أستمع لعبَّاس بالأمس، وتذكرته قبل ذلك مع كل مؤتمر صحفي يعقده، وحقيقةً أتساءل: هل يصدق عبّاس ومن حوله كل هذا السيل من الأكاذيب؟
بالتأكيد لا.. فهم أدرى الناس بقذارتهم، وأقربهم لرائحتها العفنة، لكنهم ربما ظنوا لوهلة أن شعبنا أبله، أو أن العالم غبي، أو ربما صدقوا أنفسهم من كثرة الكذب، فشعارهم اليوم: اكذب واكذب واكذب حتى تصدق نفسك.
لا شعبنا أبله، ولا عالمنا غبي، لكنهم هم البلهاء والأغبياء إن ظنوا أنهم يعيشون وحدهم، أو أنهم وحدهم من يفهم ويقرر، وكأنهم- كما قالت جدتي-: "مفتَّحين بمدينة عميان".
الوزير أبو الدبان
خرج علينا بالأمس أحد الغلمان من عصابة أعداء الإنسان، والذي حتى يوم استوزاره كان يقدَّم على أنه "محلل سياسي مستقل"، فإذا بالاستقلالية تنقلب حقدًا أسودَ دفينًا، لا يقل في سوداويته عن باقي أفراد العصابة، ولينكشف ما خفي تحت ستار التحليل المستقل، ويصيح العجرمي- وزير الغفلة-: "ستداس حماس بنعال الشعب الفلسطيني"، وأنهم "في النهاية سيسقطون كما تسقط ذبابة في كاسة ماء".
هذا الغلام يعيش طفولةً متأخرةً يعرفها من لا زالوا في قماطهم يمرحون، "فعص" الحشرات ودوسها، أو إسقاطها في كوب ماء، مسكين هذا الغرّ عندما لم تسعفه ذاكرته إلا بصور طفولية لسحق الحشرات واللعب مع "الدبان" في "كاسة" ماء، حتى التعبير خانه، فبَدَلَ كأس أو كوب كانت "كاسة".
للمحلل الفذ أن يتنبَّأ بما يشاء، ومن حقه أن يحلل زوال وانهيار وسقوط أي فصيل، فهذا حق لا ينكره أحد، لكني أعجَب من هؤلاء السكارى وما هم بسكارى، فبعد أبو غلوة المبشر بجيش يسد عين الشمس، وأبو الجديان القائد والمعلم لرمز التحرر الجديد سميح المدهون، يطل علينا الوزير أبو الدبّان!
الفهمان شاكر الحيران
هل تذكرون شيخ الغفلة شاكر الحيران، الذي ظهر لأيام في شهر يونيو الماضي موزِّعًا فتاواه بالقتل وإهدار الدم على المواقع الصفراء إياها؟ هل تذكرون كيف اختفى بعدها وفقدنا عالمًا جليلاً أتحفنا بدعم عبّاس ودحلان؟ بالتأكيد تذكرونه.
لاختفائه قصة.. فقد أصبح وزيرًا!
شاكر الحيران هذا يكاد يجمع أهلنا في فلسطين أنه الوزير الجديد في حكومة فياض محمود الهباش، الوزير الذي أمّ العصابة بالأمس في محمية المقاطعة بالمنطقة السوداء في رام الله المحمية بالمحتل وقواته، فصال وجال ودعا "سحقًا لكم"، "سحقًا لكم"، مبشرًا بالشرعية ورجالاتها الأشاوس وهو أحدهم، ومطالبًا غزة بالصبر لأن ليلها لن يطول.
لكن... أين أنت من ذلك الصبر بعد أن أفتيت وأشعلت الفتنة، ثم جريت وهربت تاركًا القطاع الذي تنتمي إليه، مرتميًا في أحضان رام الله، لتستوزر فيما ليس لك به علم، آهٍ على زمن أشباه الرجال، زمن يسود فيه دحلان والحيران وأبو الدبان!
لن تعود الأزمان
تلك أمانيهم، لن تعود عجلة الزمان للوراء، ولن يفلحوا في خداع الشعب مرةً أخرى، وغزة التي تطهَّرت من رجسهم ودنسهم لن تُخدع بدعوات الصلاة، صلاة المناكفة وفيها يأكلون ويشربون ويدخنون ويتسامرون، والضفة الغربية على موعد للّحاق بقطاع غزة والتخلص من دنس أوسلو وعصابة أوسلو.
إسهال المراسيم، وتجييش الناطقين، وإصدار البيانات، وتشويه الحقائق، ومحاولات إعادة الفوضى والفلتان، وضخّ الأموال المشروطة، وقطع الرواتب، وتحريض الجميع على الإضراب لن تجديَ نفعًا؛ لأن شعبنا- وببساطة- غير معروض للبيع في سوقهم، ليس بوارد المساومة على كرامته وشرفه.
حاولوا كما يحلو لكم، ومن مؤامرة لأخرى، فمصيرها الفشل والتكسُّر على صخرة إرادة شعبنا، مصيركم كمصير مَن سبقكم.. مزابل التاريخ!
-------
* كاتب فلسطيني
DrHamami@Hotmail.com