د. مصطفى هيكل

بعد أن شاهدت أحد الأفلام الوثائقية حول إحدى حلقات الصراع في المنطقة العربية، وهو الصراع الأمريكي السوداني، والذي يقدم رؤيةً واضحةً وحقيقيةً لهذه الإدارة الأمريكية، والتي تمثل مجتمعًا قام على الاغتصاب.. اغتصاب أرض وشعب، من قِبَل لصوص ومارقين، لفظتهم أوروبا، فأبادوا شعبًا وحضارةً، واستولوا على الأرض والخيرات، وأقاموا دولةً ميراثها هو الاستحواذ على خيرات العالم ومقدَّراته بالسلب والنهب.
ويحكي الفيلم الوثائقي أن شركة شيفرون الأمريكية العملاقة قامت في أوائل الثمانينيات- بالاتفاق مع الحكومة السودانية- بالتنقيب عن البترول في أرض السودان، وبعد أن قامت باكتشاف ما يقرب من مائة بئر توقَّفت عن استخراجه بإيعاز من الحكومة الأمريكية، متعلِّلةً في ذلك بالاضطرابات التي بدأت في عام 1983م في جنوب السودان، وحين حاول المسئولون السودانيون إثناء الشركة عن هذا التقاعس قيل لهم تفاوضوا مع الخارجية الأمريكية؛ مما أثار استغراب هؤلاء المسئولين السودانيين، وتبيَّن لهم أن وراء الأمر قرارًا من الإدارة الأمريكية!!
وما بين تسليح للحكومة السودانية تارةً لمواجهة حركة التمرد في الجنوب، ثم تسليح لحركة التمرد والوقوف خلفها بكل الثقل المادي والمعنوي تارةً أخرى، بعدما أعلنت الحكومة السودانية عن توجُّهاتها الإسلامية وعزمها على تطبيق الشريعة الإسلامية، وبعد استنزاف موارد السودان في حرب أهلية ساعدت على تأجيجها أمريكا على مدار ما يقارب من اثنين وعشرين عامًا، وبعدما تأكد لها أن أيًّا من الطرفَين لن يستطيع حسم هذه المعركة وإن كانت الكفَّة ترجِّح انتصارَ الحكومة السودانية.. تدخَّلت أمريكا للضغط على الطرفَين لتوقيع معاهدة السلام في نيفاشا عام 2005م، والتي بموجبها يتم تقسيم الثروة والسلطة، ويتم الحكم الذاتي للجنوب، على أن يتم استفتاءٌ لتقرير المصير عام 2011م لفصل جنوب السودان عن شماله، وهو ما تسعى إليه أمريكا ضمن خطتها الرامية إلى تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات صغيرة.
وأثناء هذه الفترة- وتحديدًا منذ عام 2003م- حاولت أمريكا الضغط على السودان بالحصار الاقتصادي تارةً، وبالتهديد بالتدخل العسكرى تارةً أخرى، مستغلَّةً الصراع القبلي في دارفور لكي تتهم الحكومة السودانية بانتهاك حقوق الإنسان، ونسيت- أو تناست- تلك الإدارة انتهاكاتها لحقوق الإنسان في معسكرات الاعتقال في جوانتانامو، وفي التنصُّت على المكالمات التليفونية داخل أمريكا نفسها، وملخص هذه الحلقة من الصراع الأمريكي السوداني هو:
- محاولة تقسيم السودان إلى دويلات لإضعافه كما أشرنا.
- محاولة الهيمنة على البترول السوداني والخيرات المخزونة في أرض السودان، من يورانيوم ونحاس والحصول عليها بدون مقابل.
ونسيت هذه الإدارة الأمريكية الحمقاء كم تكلَّفت من ثمن باهظ في حرب العراق (ما يقرب من ألف مليار دولار) دفعتها ثمنًا لمحاولة اغتصاب بترول العراق، ولو اشترت هذا البترول فلن يكلفَها كل هذا المبلغ، ولن يكلفَها هذه الدماء التي أريقت، ولا سُمعتها التي تلطَّخت بالوحل في المستنقع العراقي!!
هذا المستنقع الذي لا يقارَن بالمستنقع الذي تحاول الدخول فيه في السودان، والذي سيكلفها أضعافًا مضاعفةً من الأموال والدماء، فشعب السودان شعب مجاهد، يعشق الشهادة، ويعشق القتال في سبيل الله، وما حرب الجنوب منا ببعيد.