لا شك أن مصر عانت كثيرًا من حكَّامها طوال تاريخها، اللهم إلا أزمانًا قصيرةً تمتع فيها المصريون بخيرات بلادهم وبكرامتهم، ولا شكَّ أيضًا أن المصريين اليوم يعانون أشد المعاناة من النظام الذي تسلَّط على رقابهم ويحكمهم منذ عشرات السنين، دون أن يكون في مقدورهم أن يتخلصوا منه لأسباب كثيرة يطول شرحها، ولا تخفَى على أكثر المطالعين!!
لكن تصرفات النظام لا تسمح للعقل أن يفهم أو يفسر كثيرًا من القرارات التي تتخذها تلك العصبة وينفِّذها تابعوهم، رغم غرابتها أحيانًا، أو ظلمها أحيانًا أخرى، أو عدم معقوليتها أحيانًا ثالثة!! واسمحوا لي أن أتعرَّض لبعض هذه الأمثلة كي يتحرَّك من يملك القدرة على فعل شيء في هذا العصر المنكوب بجبروت حكامه وسلبية شعوبه.
أولاً: هناك قانون ينظم إجازات العاملين بالدولة، يسمح بمن يملك رصيدًا من الإجازات التي لم يستفد منها أن يحصل على مقابل مادي لها عند خروجه على المعاش!! لكن بعد أن ضمن المسئولون مصادر مالية أخرى حالية لا تنتظر لمعاشٍ أو تجري وراء إجازات لم ينلها أثناء خدمته!! فوجئت بإخطار من رئيس الجامعة بالإنابة بأن سيادته قد وافق بتاريخ 16 يوليو 2007 على إخطارنا بالآتي:
1- عند طلب بيان اعتماد رصيد الإجازات الاعتيادية للسادة أعضاء هيئة التدريس عند بلوغهم السن القانونية للمعاش أن يكون البيان بدايةً من 21 أبريل 1987م.
2- لا بد من القول بأن رصيد الإجازات راجع لأسباب اقتضتها ظروف العمل، وأن يكون هناك مستند واقعي يفيد ذلك، كتقدم عضو هيئة التدريس بطلب الإجازة ورفضها لصالح العمل من السلطة المختصة "رئيس الجامعة" دون غيرها.
3- إعادة طلبات اعتماد بيان رصيد الإجازات الاعتيادية الموجودة بالإدارات والمخالفة للبنود السابقة إلى الكليات لتطبيق ما تقدم.
"توقيع أمين عام الجامعة"
ما تقدَّم نموذجٌ فرعونيٌّ في الإدارة، فبأي حقٍّ يحدد رئيس الجامعة بالإنابة أو حتى مجلس الجامعة كله ويحرمني من خمس سنوات من خدمتي على سبيل المثال؟! وكيف يمكن تطبيق قرار بأثر رجعي عشرات السنين؟! فمن أين سنأتي بطلبات موقَّع عليها من رؤساء جامعات، تركوا السلطة، بل تركوا الحياة، يرفضون فيها الإجازات لصالح العمل؟! بل الآن أي قانون تغيّر يستند إليه إخطار الجامعة في ضرورة اعتماد الإجازات من رئيس الجامعة حتى لو لمصيف؟! هل ما حدث في الإجازات حدث لصندوق التكافل الذي عبَّ منه المتقدمون أصحاب المشروع ما لذَّ وطاب، وعندما أفلس تم التقنين بشروط معقدة، جعلت سقف المكافأة لا تتعدى 36 شهرًا؟!
هل نحن في دولة تحترم أبناءها بل حتى تحترم قوانينها التي أصدرتها؟! أنا شخصيًّا لن أتنازل عن حقي وتبقى حركة الأساتذة في كل مكان من باب علامة وجود حياة وسط أعضاء هيئة التدريس قبل معركتهم القادمة حول تعديل قوانين الجامعة والمعروف بالقانون الموحد!!
ثانيًا: جاءني قرار السيد وزير الصحة والسكان رقم 271 لسنة 2007م باسمي على عيادتي، فيه يقرِّر بعد الاطلاع على عدة قوانين وقرارات جمهورية ووزارية:
مادة 1: يحظر على الأطباء وأعضاء هيئات التمريض وغيرهم إجراء أيّ قطع أو تسوية أو تعديل أي جزء طبيعي من الجهاز التناسلي للأنثى (الختان)، سواءٌ تم ذلك في المستشفيات الحكومية أو غير الحكومية أو غيرها من الأماكن الأخرى، ويعتبر قيام أيٍّ من هؤلاء بإجراء هذه العملية مخالفًا للقوانين واللوائح المنظمة لمزاولة مهنة الطب.
مادة 2: يُنشَر هذا القرار في الوقائع المصرية ويُعمل به اعتبارًا من اليوم التالي لتاريخ نشره ويلغى كل ما يخالفه من قرارات.
"توقيع وزير الصحة"
إيه القوة دي؟!! هل هذا القرار يخاطب الشعب المصري؟! هل يمنع هذا القرار آخرين من ممارسة العملية بعيدًا عن الإشراف الطبي والذي جرَّمه القرار الوزاري الجامد قوي!! ما سلطة وزير الصحة على الأماكن الأخرى وغيرهم التي ذكرها القرار، في محاولةٍ لحصار كل من يحاول إجراء الختان بعد تحريمها وتجريمها بفتوى أمريكية أوروبية دعمها شيخ الأزهر- الموظف الكبير كما يحب أن يصف نفسه- وعارضه الكثيرون من العلماء؟!!
أي عقل هذا الذي توسَّع في توزيع القرار وحرص على وصوله لكل طبيب، رغم أن تخصصي باطنة وحميات وكبد وهمّ كبير لا علاقة له بالختان أو حتى بالولادة!!! صحيح ونعم الإخلاص!!
ثالثًا: خبر صغير في مبناه، مصيبة في معناه، ورد بجريدة "الجمهورية" (الصفحة الأولى) في الأول من أغسطس 2007 يقول: "جددت الجمعية العمومية العادية للشركة المصرية للاتصالات أمس للمهندس عقيل بشير رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للشركة لمدة عام يبدأ من 13 أغسطس القادم، ووافقت الجمعية في أسرع اجتماع لها؛ حيث لم يستغرق أكثر من عدة دقائق على تعديل لبعض بنود اللائحة المالية ليتناسب مع سوق الاتصالات، وتحرير الخدمات، وفتح باب المنافسة، وتوفير موارد مالية جديدة للشركة" انتهى..
هل هناك إنجاز أعظم من ذلك؟! في دقائق توفرت موارد مالية هي عبء فيما بعد على المواطنين في دقائق، بل تم فتح باب المنافسة في قطاع بالمليارات خلال دقائق!! ولم ندرِ أيهما كان على هامش الآخر: التجديد لرئيس مجلس الإدارة أم لتعديل اللائحة المالية؟!! أي استهتار وأي نصب يقوم به هؤلاء على الشعب المصري المسكين؟! بل من هم أعضاء الجمعية العمومية الذين حضروا لدقائق؟ وكم عددهم؟ وهل يسمح هذا العدد لمناقشة أي بند من البنود المالية بعد التصويت على المدّ بفرض أن كلاًّ منهم سيأخذ دقيقة في التصويت؟! هذا الخبر في أي دولة محترمة لن يستغرق دقائق معدودة لتحويل أصحابه للتحقيق والمحاكمة بتهمة إهانة شعب وإهدار مال عام ونفاق حاكم ظالم!!!
آسف للإطالة.. لكنَّ همومنا كشعب تزداد بزيادة الغباء المستحكم الذي يصرُ على حكمنا غصبًا عنَّا، وأيضًا بسبب سلبيتنا التي تعدَّت الحدود وفاقت التصور، وكنت أظن أننا سنتحرك عندما تطالنا نار الإهمال والظلم والاضطهاد، لكن ربما لفحت وجوهنا حرارة النيران، وما زلنا نراوح مكاننا، ويحلم بعضنا أن هناك من سيأتي في الوقت المعلوم لينقذنا!! ووقتها لا نلومنَّ إلا أنفسنا بعد أن نتَّعظ بأنفسنا، فالشقي من اتعظ بنفسه، والعاقل من اتعظ بغيره، فاللهم اجعلنا من العقلاء المخلصين المحبين لدينهم ووطنهم.. اللهم آمين.
----------