عرضت حركة المقاومة الإسلامية حماس منظومةً سياسيةً وأمنيةً لحل الأزمة الحالية في الأراضي الفلسطينية بصورة تُعيد التوافق الفلسطيني الشامل، وتحافظ على الإطار الديمقراطي والهيكل الشرعي للعملية السياسية الفلسطينية؛ الأمر الذي يؤهِّل الشعب الفلسطيني للانطلاق نحو استعادة حقوقه المشروعة دون أية تنازلات للكيان الصهيوني بلا داعٍ.

 

ويأتي طرْحُ حماس لتلك المنظومة لتزيد من الضغوط التي يتعرَّض لها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من الداخل والخارج لإجراء حوارٍ مع حركة حماس يُنهي الأزمة الفلسطينية القائمة والتي تسبَّب فيها التيار الانقلابي داخل حركة فتح والساعي بكل قوة إلى تحقيق الأجندة الصهيونية والأمريكية في القضية الفلسطينية للحصول على مكاسب خاصة لا تمتُّ بصلة للمصالح الفلسطينية.

 

فما هي أوجه المبادرة التي قدمتها حماس ودرجة قبول رئيس السلطة الفلسطينية وقيادات السلطة وفتح لها؟! وما الظروف التي تأتي فيها هذه المبادرة، سواءٌ على المستوى الداخلي أو الخارجي؟!

 

ظروف مرتبكة

في البداية يجب النظر إلى الظروف التي جاءت فيها مبادرة حركة حماس لتسوية الأزمة الفلسطينية، وبنظرة واحدة يمكن التعرف على حجم التضارب والارتباك الذي تتَّسم به الأجواء المحيطة بالوضع الفلسطيني، سواءٌ على المستويين الداخلي والخارجي.

 

فالوضع الداخلي الفلسطيني تتزايد فيه دعواتُ الحوار من مختلف الفصائل الفلسطينية، سواءٌ القريبة من حماس في التفكير والإيديولوجيا، مثل حركة الجهاد الإسلامي، ولجان المقاومة الشعبية، أو حتى الفصائل الأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي انتقدت كل الخطوات المنفردة التي اتخذها عباس ووافق عليها المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

 

لكنْ في المقابل فإن هناك تيارًا لا يريد تسوية الظروف الراهنة، ويريد استمرار حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني التي تجعل من السهل قبولَ السلطة الفلسطينية لأية مخطَّطات لاستعادة هيبة حركة فتح في الأراضي الفلسطينية، حتى وإن كانت تلك المخططات في صالح الكيان الصهيوني، فالمهم بالنسبة لذلك التيار هو المصلحة السياسية الفئوية الخاصة لا المصلحة الفلسطينية.

 

والمشكلة الرئيسية تكمُن في أن هذا التيار هو النافذ في حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وبالتالي هو قادرٌ على تحقيق مخططاته بمعزل عن الشعب الفلسطيني، حتى إن ذلك التيار بدأ في حصار المقاومة لمَّا أدركَ أن خيارَ المقاومة هو الأمر الوحيد الذي يمكنه التصدي له ولمخططاته.

 

أما على المستوى الخارجي فإن الظروف الدولية تعيش أيضًا نفس حالة الانقسام والتضارب، فهناك الكثير من الدعوات من أجل الحوار، وهي الدعوات التي تصدر من قوى مؤثرة بصورة كبيرة وليست كاملة مثل روسيا ومصر، إلا أن تلك الدعوات تصطدم بنفوذ الولايات المتحدة الرافضة لأية تسوية للوضع الفلسطيني تضع حماس وفتح معًا في الإطار السياسي الفلسطيني العام.

 

وقد وضح ذلك التضارب في الموقف الروسي تحديدًا؛ حيث دعت روسيا وفدًا من حماس لزيارتها للقيام بجهود وساطة بينها وبين فتح، إلا أنه في المقابل استجابت روسيا لتوازنات المصالح الدولية، وقامت بتخفيض مستوى اتصالاتها مع حماس، أي أنها قدمت للأمريكيين خدمةً في الملف الفلسطيني على أمل الحصول على خدمة موازية في أيٍّ من الملفات الدولية المتفاعلة بين الجانبين، ومن بينها ملف كوسوفا أو الدرع الصاروخي.

 

ملامح مبادرة حماس
 الصورة غير متاحة

 آلاف الفلسطينيين يعلنون دعمهم لحماس

المبادرة التي أطلقتها حركة حماس من أجل تسوية الأوضاع الداخلية جاءت على لسان المتحدث باسمها أيمن طه، الذي كان ممثّلاً للحركة في لجان القوى الوطنية والإسلامية، وهي اللجان التي كانت تتولى التنسيق بين الفلسطينيين في الشئون المختلفة قبل انفجار الأمور في غزة بما أدَّى إلى الوضع الراهن، فماذا قال طه؟!

 

طه أكد في البداية أن ما قامت به حماس من سيطرة على مقرات الأجهزة الأمنية التابعة لرئاسة السلطة الفلسطينية في قطاع غزة كانت دفاعًا من الحركة عن نفسها كما كانت دفاعًا عن الشرعيات الثلاثة الفلسطينية، وهي شرعية رئاسة السلطة، ورئاسة الحكومة والمجلس التشريعي، مشددًا على أن ما يحلُّ الأزمة هو "الحوار غير المشروط".

 

والمبادئ التي تقوم عليها المبادرة الحمساوية هي:

أولاً: وحدة الوطن الفلسطيني وعدم الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ثانيًا: وحدة النظام السياسي الفلسطيني.

ثالثًا: وحدة السلطة الفلسطينية في غزة والضفة.

رابعًا: احترام الشرعيات الفلسطينية كافةً.

خامسًا: إعادة ترتيب أوضاع الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس وطنية، بعيدًا عن المصالح الخاصة.

سادسًا: إقامة حكومة توافق وطني فلسطيني.

سابعًا: إعادة حماس المقرات السياسية التابعة لرئاسة السلطة في غزة مع الاحتفاظ بالمقرات الأمنية، إلى حين ترتيب أوضاع الأجهزة الأمنية الفلسطينية وفق البند الخامس.

 

ويمكن ملاحظة العديد من النقاط في تلك المبادرة، وفي مقدمتها استناد حماس إلى الوحدة الفلسطينية على مختلف المستويات، فهناك وحدة الأرض، وعدم الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهناك الوحدة السياسية بوجود نظام سياسي واحد، يضمُّ السلطة في الضفة والقطاع وتشكيل حكومة توافق وطني، بالإضافة إلى تأكيد أهمية احترام الشرعيات؛ حفاظًا على الهيكل الديمقراطي للشعب الفلسطيني.

 

كما لم تتجاهل المبادرة الأجهزة الأمنية التي كان الفساد فيها هو سبب الأزمة الراهنة في الأراضي الفلسطينية؛ حيث طالبت الحركة بضرورة إصلاح تلك الأجهزة والعمل على صيانتها وترتيب أمورها وفق المصلحة الفلسطينية، لا مصلحة فتح ولا مصلحة حماس، وهذا من شأنه أيضًا الحفاظ على الوحدة الفلسطينية والسلم الأهلي والتضامن الاجتماعي في وجود أجهزة أمنية وطنية.

 

وإلى جانب ذلك فإن تأكيد حماس ضرورة الحوار غير المشروط بين الحركتَين يعكس فهمًا من الحركة، بضرورة إقامة حوار يبحث كل الملفات الفلسطينية ويصل بها إلى نهاية، وبالتالي حماية السلم الفلسطيني في المستقبل، وبالتالي فإن الحوار غير المشروط وغير المرتبط بترتيب أوضاع معينة قبل البدء فيه هو الضمان الأمثل لإنهاء تلك الأزمة بما يُسهم في حفظ التوافق الفلسطيني.

 

هل يستجيب الانقلابيون؟!
 
 الصورة غير متاحة

 مسلحو فتح أثاروا التوتر والاضطرابات في الشارع الفلسطيني

هناك فارق كبير بين ما يجب أن يقوم به الطرف الآخر في الأزمة وهو حركة فتح وتحديدًا التيار الانقلابي في الحركة وبين ما سيقوم به هذا التيار من ردِّ فعل تجاه مبادرة حماس، فما يجب أن يقوم به الانقلابيون هو الاستجابة الفورية للمبادرة التي طرحتها حماس ووضعها في إطار عربي بعيدًا عن الإطارات الأمريكية والصهيونية؛ بما يُسهم في إبقائها والحفاظ عليها.

 

أما الأمر المتوقَّع أن يقوم به التيار الانقلابي فهو رفضُ المبادرة والاستمرار في التحرك وفق الأطر التي رسمها الصهاينة والأمريكيون بدقَّة؛ من أجل استمرار الوضع الراهن والاستفراد بالملف الفلسطيني سياسيًّا، إلا أن هذا السلوك سيعود بالضرر على الانقلابيين أنفسهم قبل أي طرف آخر في الملف الفلسطيني، كيف؟!

 

استمرار الانقلابيين في رفض فكرة الحوار بين حركتي حماس وفتح ومواصلة طريقهم الصهيوني يعني التفريط في الحقوق الفلسطينية، وهو ما توضحه المؤشرات من عودة التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والصهيونية، وهو التنسيق الذي أخرج عشرات الفلسطينيين من مسلَّحي فتح من دائرة المقاومة، وأدى إلى اعتقال العديد من عناصر المقاومة في الضفة.

 

وبالإضافة إلى ذلك فإن سير هذا التيار داخل فتح والسلطة في الفلك الصهيوني سيؤدي إلى تنازلات أخطر ترتبط بالحلِّ النهائي الفلسطيني، فالأنباء القادمة من رام الله وتل أبيب تقول إن هناك لقاءً سيَجري بين عباس ورئيس الحكومة الصهيونية إيهود أولمرت في واشنطن سيتم خلاله الترويج لفكرة إعلان دولة فلسطينية مؤقتة، وهو الاقتراح المرفوض من جانب كل الأطراف الفلسطينية والعديد من الأطراف العربية، وفي مقدمتها مصر الحليف الأكبر للفلسطينيين.

 

إذن.. الانقلابيون في طريقهم هذا يَقتلون الثوابت الفلسطينية وهي ثوابت المقاومة والأرض، وبالتالي سيخسرون كل شيء في الداخل الفلسطيني، وحتى إذا كانت توجد شرائح تدعمهم في المجتمع الفلسطيني فإن هذا الدعم سيتوقف بمجرد الشعور بأن الكيان الفلسطيني والهوية الفلسطينية مهدّدان بالفناء؛ الأمر الذي يعني سقوط أولئك الانقلابيين في تحرُّكٍ فلسطينيٍّ جديدٍ مضادٍّ لهم، يأتي هذه المرة من المؤيدين؛ مما يعني أن السقوط سيكون سقوطًا انتهائيًّا لا نهوض من بعده.

 

هذه الاعتبارات تحتِّم على الانقلابيين الاستجابة لمبادرة حماس والبحث عن إطار فلسطيني وعربي لها، يُنهي الأزمة من جذورها بعيدًا عن الرهان على تأييد من "مجتمع دولي" متقلب المصالح وبدلاً من الارتكان على الصهاينة والأمريكيين، وهو الرهان الذي ثبت فشله في كل الحالات السابقة المشابهة، فهل يستجيب الانقلابيون للدعوة للمصالحة؟!