![]() |
|
د. السيد دسوقي حسن |
في هذه الدراسة نخوض في سبعة عناصر، نرى أهميةً للخوض فيها ونحن نتحدث عن قضية المواطنة، وهي:
1-المواطنة والدستور.
2-الوطن والمواطنة.
3-الحقوق والواجبات في المواطنة.
4-سلم المواطنة.
5-الهجرة والمواطنة.
6-التغلب السياسي والمواطنة.
7-لمحةٌ عن موقف الإسلام من بعض هذه القضايا.
المواطنة والدستور
ينبثق دستور أي أمةٍ من نظامها العام، والنظام العام هو مجموع الأهداف العليا لأي مجتمعٍ، وهذه الأهداف العليا تنبع من مجموعة العقائد والقيم السائدة في المجتمع، وقد لا يعبِّر الدستور عن الأهداف الاجتماعية المشتركة في لحظةٍ تاريخيةٍ بعينها، أو قد تنحرف الأهداف الاجتماعية عن بنيتها القِيَمية والعقائدية، ومن أجل ذلك لزِم أن تكون هناك أجهزةُ رصدٍ لضبط الدستور على الأهداف الاجتماعية، وضبط الأحداث الاجتماعية على العقائد والقيم، ثم التبشير بذلك اجتماعيًّا حتى يدخل أكبر قدرٍ من الناس في النظام العام أو الكلمة السواء.
ومن هنا نصل إلى تعريف (المواطنة) دستوريًّا، وهي: أن تُحقِّق الصياغة الدستورية أعظمَ قدرٍ من التعبير عن الأهداف المجتمعة المشتركة والسائدة بين الأغلبية العظمى لأفراد المجتمع.
فماذا عن الأقليات التي لا تُشارك الأغلبية العظمى من المجتمع في أهدافه؟.. هذه الأقلية من حقِّها دستوريًّا أن تدعو الناس ليؤمنوا بأهدافها من خلال عملٍ سلميٍّ دعويٍّ وتربويٍّ، مع الالتزام الكامل برأي الأغلبية.
الوطن والمواطنة
الوطن الأول لكل إنسان هو رحم أمه، ثم يخرج إلى وطنه الثاني وهو أسرته، ثم يكبر ليجد نفسه في مجتمعٍ، وخلال هذه الرحلة يَقِل اعتمادُه على مَن حوله قليلاً، حتى يصل إلى حالةٍ من القدرة على العطاء لنفسه ولمن حوله، في المرحلة الأولى تُعطي الأم من دمها غذاءً له، وفي المرحلة الثانية تُعطي الأسرة من وقتها ومالها وجهدها تربيةً له، وفي المرحلة الثالثة يُعطي المجتمع- من خلال مؤسساته التعليمية- قدرات تمهيدية وتنموية؛ ليصبح هذا المواطن في النهاية قادرًا على المشاركة في بناء هذا المجتمع.
في الوطن الأول (رحم الأم) لا يملك هذا الوطن إلا أن يُعطي من دم الأم طعامًا لهذا المواطن الصغير، فليست عنده حرية اختيار أن يعطي أو أن يمنع، ثم إذا خرج هذا المواطن من رَحِم أمه إلى أسرته تلعب العاطفة دورًا مهمًّا في عملية العطاء، ويكبر الإنسان ويصبح حقّه عند المجتمع مرتبطًا بظروف هذا المجتمع التنظيمية والمادية والإنسانية والمواثيق الاجتماعية المستقرة فيه.
الحقوق والواجبات في المواطنة
الحقوق في ساعات الضعف والواجبات في ساعات القوة والوفرة، وكل حقٍّ معه واجب، ومهما كانت ظروف المجتمع، فإن كل مواطن فيه أخذ حقًّا من خلال أمه وأسرته ومجتمعه، ومن ثمَّ فهو مدينٌ بصورةٍ أو بأخرى لهذا المجتمع، وفي رقبته حقوقٌ لا بد من أن يؤديَها بالسعي في خدمة مجتمعه بالقدر الذي يستطيعه.
وليس هناك مواطن عالمي يقول أنا تربّيت في مصر، ولكني سأردُّ دَين هذه التربية في موزمبيق.. كلُّ إنسان مدينٌ لمجتمعه الذي نشأ فيه أولاً.
سُلَّم المواطنة
قلنا إن المواطنة حقوقٌ وواجبات، وهذه الحقوق والواجبات مرتبطةٌ بسلم المواطنة، ولأن كلَّ إنسان نشأ في أسرةٍ، وهذه الأسرة جزءٌ من مجتمع، والمجتمع جزءٌ من العالم، فإن واجبات الإنسان أيضًا تبدأ من أسرته، مرورًا بمجتمعه وانتهاءً بعالمه، وذلك بدرجات مختلفة.
وهنا نوعٌ من المواطنة اسمه "المواطنة البيئية"؛ حيث ينشأ الإنسان في بيئةٍ طبيعية ذات خصائص معينةٍ أكسبتهُ خصائص بدنية ونفسية بعينها.. هذه البيئة التي جعلها الله موطنًا لهذا الشخص لها حقوقٌ وعليه واجب البرّ بها، جمادًا ونباتًا وحيوانًا.
الهجرة والمواطنة
الهجرة من الأوطان لا تكون إلا لواجبٍ تُمليه على المواطن عقيدته وقِيمه وظروفه، والهجرة لا تكون إلا في حالة الاستضعاف التي تُقيِّد الإنسان عن الحِراك الاجتماعي والتنموي هو وأهله، وتمنعه من الإسهام في خير الوطن، والهجرة غير الخروج للعمل المؤقت في بُلدان أخرى، وإنما نعني بالهجرة المكروهة أن نهجر الوطن ونهجر العمل من أجل رفعة هذا الوطن، ونأوي إلى مكانٍ لم يُسهم في بنائنا العلمي أو المهني، ونحرم أوطاننا مما حبانا الله به.. كل ذلك من أجل دنيا نُحبها أو امرأة ننكحها، فهذه الهجرة مرفوضة دينًا ودنيًا.
ولا يظنَّنَّ امرؤ أن العولمة تنفي المواطنة، وخاصةً في مثل هذا النوع من العولمة الذي يقوم على الهيمنة الاقتصادية، وما تستدعيه من هيمنةٍ سياسيةٍ، فالهيمنة الاقتصادية تبتغي نهب الموارد والسيطرة على الأسواق؛ ومن أجل ذلك تُغيِّر الأذواق في الطعام والشراب واللباس، وتدفع الناس إلى هذه الأذواق الجديدة، عن طريق إعلامٍ كرءوس الشياطين، يوسوس في صدور الناس آناء الليل وأطراف النهار، ولذلك فدور المواطنة شديد الأهمية في مثل هذه الأحوال، وثبات المواطن في مواقع الدفاع عن وطنه شديد الأهمية.
التغلب السياسي والمواطنة
عندما تحدثنا عن تمثيل الدستور للأهداف المجتمعية لأمةٍ من الأمم تصوَّرنا أن ذلك يتم بآليةٍ شوريةٍ لا تأتي بهذا الدستور فحسب، إنما تأتي أيضًا بمن يؤمنون به ويسعون في الأرض في ظلاله ولا يحيدون عنه يمنةً أو يسرةً، ولكن ماذا لو أمسك بزمام الحُكم أقوامٌ لا يحترمون الدستور ولا يعبؤون به؟! لقد جاءوا بالتغلب من خلال قوةٍ اقتصاديةٍ أو أمنيةٍ أو قوةٍ استعمارية دخلت إلى الوطن في غفلةٍ من أهله، واستولت على مِقْوَد السفينة، تُحركه كيف تشاء، حينئذٍ لا نبحث عن المواطنة في مواد الدستور، وإنما نبحث عنها في أفعال هؤلاء المتغلِّبين؛ فالدستور معطَّل، وما نشأ عنه من قوانين كذلك معطَّل، ويعوض عنها جميعًا قانون الطوارئ أو قانون الإرهاب، أو تحت أي اسمٍ تشاء.. هذه القوانين تعطي القرار كله في يد رجلٍ واحدٍ أو مجموعة منفِّذة تمثل هؤلاء المتغلبين.
في هذه الأحوال تصبح المواطنة مفهومًا غائمًا للأغلبية قبل الأقلية؛ فالمواطن في هذه الأحوال عليه واجبات وليس له حقوق، إلا ما تمنحه هذه الفرقة المتغلبة، وربما رأت هذه العُصبة المتغلبة أن الدستور القديم يُحرجها في كثيرٍ من الأحيان؛ ولذلك ينبغي تحديثه وترقيعه بمواد جديدة، تُحكم سيطرتهم على الأمة، وتجعل أفعالهم متناسقةً مع الدستور.
ولذلك فكل تعديلٍ للدستور في ظل هذه العصابة المتغلبة هو في الواقع لزيادة بطشها وإجرامها، ولا علاقة له بالأهداف المجتمعية للأمة، باختصارٍ عندما تتغلب عصابة على أمة فسوف تضيع كل حقوق المواطنين في هذه الأمة، سواءٌ أكانوا أغلبيةً أو أقليةً، ولا سؤال حينئذٍ عن المواطنة في ظل استبداد سياسي وقهر تنموي، سواءٌ أكانت العصابة خارجيةً أو داخليةً أو بالتعاون بينهما.
لمحة عن موقف الفكر الإسلامي من بعض هذه القضايا
عندما أُفكر في حقوق المواطن في أي أمة أتذكَّر قصة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز عندما سمع أن هناك جماعةً من الناس (الزردشت عبدة النار) تسمح بزواج الابن من أمه وأخته، فكتب إلى فقيه عصره الحسن البصري يسأله عن رأي الإسلام في هذا الأمر؟ فكتب إليه الحسن البصري رسالةً رائعة يجب أن تُعلَّق فوق كل المجالس الشعبية في العالم، قال فيها:
"إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: هذا مما جرت به عقائدهم، وإنما أنت متبعٌ ولست مبتدعًا، فالزم، والسلام".
ولقد استقر في الفكر الإسلامي أن الناس أحرارٌ فيما يعتقدون، ولكنهم ملتزمون بمعاملات الأغلبية إلا في المعاملات المرتبطة بعقائدهم، فهم فيها أحرار أيضًا، أي أن أي أقلية سوف تتمتع في الفكر الإسلامي بالحرية الكاملة في عقائدها وفي أي معاملات لها صلة بهذه العقيدة، مثل قوانين الزواج أو النُّسك والشعائر الدينية، بل من حقِّها أيضًا الامتناع عن المشاركة في الدفاع عن الوطن إن استشعرت أن هذا الأمر سيُحرجها دينيًّا، وتدفع حينئذٍ ضريبةً تسمَّى الجزية، وهي ليست ملزمةً بدفعها إن شاركت في الدفاع عن الوطن.
ونحن نذكر أن هذه الحقوق لا يتمتع بها المواطنون في أعظم الديمقراطيات في الغرب، لا في قوانين الزواج، ولا في حق الامتناع عن الانخراط في الجيش، وما زلت أذكر المحاكمة الشهيرة لمحمد علي كلاي الذي امتنع عن المشاركة في حرب فيتنام في فترة الستينيات.
وفي مجال الأهداف المجتمعية وتحديدها نُذكِّرُ بما فعله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المدينة، وكانت في ذلك الوقت خليطًا من المسلمين واليهود، ونُذكِّر أن الجميع توافق على وثيقةٍ مجتمعية تحدد آفاق التعايش بينهم.
قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادَعَ فيه يهود، وعاهدهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتابٌ من محمد النبي- صلى الله عليه وسلم- بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس.. المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، كلًّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلُّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين..
وبنو جشم على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلُّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النُبيت على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين..
وبنو الأوس على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداءٍ أو عقلٍ، وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم..
ولا يقتل مؤمنٌ مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النَّصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم..
وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا، وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض، بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هديٍ وأقومه، وأنه لا يُجير مشرك مالاً لقريش ولا نفسًا، ولا يحُول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلاً عن بيّنة فإنه قَودٌ به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه..
وإنه لا يحل لمؤمنٍ أقرَّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر مُحدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يُؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيءٍ فإن مردَّه إلى الله عز وجل وإلى محمد - صلى الله عليه وسلم- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلَم وأثِمَ، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته..
وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بن عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته..
وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشُطَيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البرّ دون الإثم وإن مواليَ ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم..
وإنه لا ينحجز على نار جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظُلم، وإن الله على أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرامٌ جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تُجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدثٍ أو اشتجارٍ يُخاف فساده فإن مردَّه إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه، وإنه لا تُجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهَم يثرب، وإذا دُعُوا إلى صلحٍ يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دُعُوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا مَن حارب في الدين على كل أُناس حصتهم في جانبهم الذي قبلهم..
وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة.
قال ابن هشام: ويقال مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم.
وإن الله جارٌ لمن برَّ واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" (أخرجه- بهذا الطول- ابن هشام 3/31، وابن كثير في النهاية 3/224، وابن سيد الناس في عيون الأثر 1/238، كلهم عن ابن إسحاق دون ذكر سند).
وأخرج- بنحوه- البيهقي في الكبرى8/ 106 من طريق الحاكم النيسابوري، فأسنده إلى محمد بن إسحاق قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب. قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال: "أخذت من آل عمر بن الخطاب- رضي الله عنهم- هذا الكتاب كان مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال.." بنحو الحديث.
ونودُّ أن نفرِّق بين (أممية الرسالة الإسلامية) وبين (خصوصية الواجب الوطني).. نعم الإسلام رسالة أممية ولكنه يدعو أتباعه إلى (برّ الأوطان) تمامًا كبرّ الآباء، والقرآن يعبر تعبيرًا واضحًا عن الدَّين الذي في رقبة كل فرد لوالديه، فيقول الله تعالي في سورة الإسراء آية 24: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ أي كما أعطياني في ضعفي وحاجتي، فيتبقَّى أن أعطيَهما في ضعفهما واحتياجهما.
وكذلك الأوطان أعطتني صغيرًا، فما كان لأبوي أن يعطياني إلا من فيض هذا الوطن عليهما، فالأوطان تدخل إذًا في معنى الآباء، وهو معنى شديد القداسة في الإسلام، كما أن نداء الأوطان عند العسرة واجب التلبية ومقدَّم على المشاريع الخاصة ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة).
وأمام هذه الواجبات هناك حقوق للأفراد كمواطنين، منها حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلٌّ في ميدانه، سواء أكان هذا الميدان سياسيًّا أو تنمويًّا أو اجتماعيًّا، وحق المشاركة التنموية للأجيال الحالية والأجيال المستقبلية، فلا يمكن لمواطني اليوم أن يهدروا الفرص التنموية لمواطني الغد، فلا نستبيح ركازنا ترفًا وإسرافًا ونترك الأجيال القادمة بلا ركاز.. هم شركاؤنا في الأرض وما فوق الأرض وما تحت الأرض.
وكذلك ينبغي أن يشعر كل مواطن بأنه يشارك في قيادة بلاده أو في صنع هذه القيادة حقًّا وصدقًا وليس تزييفًا وتمثيلاً، وينبغي أن يشعر كذلك كل مواطن أن هذه القيادة تحشده في خدمة الأهداف المجتمعية لا خدمة أهداف عشوائية لا معنى لها، وينبغي أن يشعر أيضًا كل مواطن أن الناس سواسية كأسنان المشط أمام الدستور وما خرج منه من قوانين، متساوون في الحقوق ومتساوون في الواجبات، مع حرية العقيدة الشخصية وما يتعلق بها من معاملات، والله الموفق.
