الحديث عن المعونة الأمريكية ما لها وما عليها، يفرض علينا الانطلاق من حيث المصلحة المترتبة على كل مِن المانح وهي "الولايات المتحدة الأمريكية"، والممنوح وهي "وطننا مصر"، أما المنحة نفسها فهي نوعان: إحداهما اقتصادية، والأخرى عسكرية قدرها 1.3 مليار دولار سنويًّا يدفعها المانح للممنوح.
أما عن المانح ويقوده في ذلك مؤسساته البحثية والتشريعية والرقابية، فلا يظن أحد أنه يعطي بلا حدود، أو من لا يخشى الفقر إنفاقًا، أو من باب من كان عنده فضل ظهر فليعُد به على مَن لا ظهر له، فالولايات المتحدة لا تقدمها من باب التفضل والإحسان على طريقة "لله يا محسنين"، إنها قرارات دقيقة وحسابات بالأرقام، تنتهي إلى أن العائد المتوقع للمانح أكبر من التكلفة الممنوحة على كل من النظام والشعب الأمريكي معًا، وله صور عديدة غير العائد الاقتصادي المتوقع، كالجانب السياسي، مع الأمن والسيادة الإستراتيجية، ناهيك عن كون المساعدات الممنوحة هي قرارًا سابقًا اتخذته الأمم المتحدة، يُلزم الدول المتقدمة الكبرى بمنح الدول النامية ما قيمته 1% من إجمالي الناتج المحلي لكل دولة من هذه الدول المتقدمة لأسباب ليس هذا مجال ذكرها الآن.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما العائد الأمريكي المنتظر من تلك المعونة لمصر؟! لا شك أنها في نقاط عديدة نوجز بعضها في:
- رعاية المصالح الأمريكية "الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية" في منطقة الشرق الأوسط، وتبنِّي وجهات النظر الأمريكية.
- الحفاظ على الكيان الصهيوني- وتحديدًا أمنها- لاعتبارات عديدة لمؤسسات النظام الأمريكي.
- ضمان الهيمنة الأحادية للقطب الأمريكي في المنطقة وكامل التبعية له، من خلال المسكنات الوقتية والمزمنة التي تقتل روح الاستقلال أو الاعتماد على الذات؛ تخديرًا للواقع الذي نعيشه، وترحيلاً للأزمة، مع انتزاع روح المقاومة، وإضعاف المناعة الشعبية، وعدم القدرة على التحدي والصمود، وهذا يشكِّل التطور الحديث لمفهوم الاحتلال لسيادة أي دولة واستقلال قراراتها.
أما عن الممنوح، وهي المغلوب على أمرها (مصر)، والتي تمد يدها لهذه المعونات منذ السبعينيات، أملاً في نقلة اقتصادية وحلاًّ لديونها الخارجية والداخلية حتى تذوق طعم الرخاء الذي طالما وعد به رؤساء مصر وحكوماتها المتعاقبة، لكن لم يكتب لها ذلك بعد، ولا ندري أين تذهب هذه المعونات على امتداد العقود السابقة والتي يربو إجماليُّها على 30 مليار دولار، وكلنا أمل أن يُطلعنا أحد المسئولين بكشف حساب لهذه المعونات السنوية.. أم لا تزال هناك أرقام سرية يحظر تداولها، ونظل في ترتيبنا المتأخر في مؤشر الشفافية العالمي، ولا حول ولا قوة للدور الرقابي الدستوري المزعوم في حق السلطات الرقابية والتشريعية والشعبية؟!
لقد ألقى د. حسام بدراوي- عضو الأمانة العامة للحزب الوطني وعضو مجلس الشورى الجديد- على مسامعنا أن المعونة الأمريكية السنوية توفِّر لنا 250 ألف وظيفة سنوية.
أفلح إن صدق.. لكن أين هي؟ ولا حتى نصفها؟! هذا يعني أن إجمالي المعونات بفرض استخدامها فقط في حلِّ مشكلة البطالة أن يصبح لكل موظف في الدولة وظيفتان وليس وظيفةً واحدةً.. بل يمكن تصدير فائض الوظائف للدول المجاورة، بدلاً من تصدير فتياتنا كخادمات، أو على الأقل نُبقي على العمالة المصرية الهاربة لدول الخليج، هذا محضُ هراء.. أكثر منه افتراءً.. فواقعنا المُرّ يؤكد أن الفساد في مصر يلتهم ما يزيد على قيمة المعونة الأمريكية بالكامل سنويًّا.
أما عن المعونة العسكرية نفسها وما قيل بشأنها، وخصوصًا مشروع القانون الذي اعتمده مجلس النواب الأمريكي باقتطاع 200 مليون دولار لعدم احترام (الممنوحة مصر) استقلال القضاء، الاستمرار في الاعتداء على الحريات العامة لنشاط السياسيين واعتقال المواطنين، بجانب عدم قدرتها على إغلاق الأنفاق على الحدود، ما يعني تهريب السلاح للفلسطينيين هذا خلاف ملف الأقباط وانتهاك حقوق الإنسان، وسياسات الحكومة المصرية الملتوية ضد الإصلاح السياسي وقد حددوا مطالبهم بشروط ثلاثة أقرها مجلس النواب وطالب بها مصر وهي:
1-إغلاق الأنفاق المستخدمة في تهريب السلاح بين رفح وغزة.
2-إعادة تأهيل وتدريب الشرطة المصرية في كيفية التعامل مع حقوق الإنسان.
3-الفصل بين ميزانية وزارة العدل وميزانية القضاء في مصر.
ورغم عدالة بعض الشروط لمصلحة المواطن المصري.. علينا أن لا ننسى القرار السابق للكونجرس- وتحديدًا منذ سنتين- بتعليق 10% من المساعدات السنوية لمصر حتى ينفذ الرئيس مبارك وعوده الانتخابية، كاستقلال القضاء، والإفراج عن سجناء الرأي والضمير، وإنهاء حالة الطوارئ، ولم ينفّذ القرار، واستمر الحال في مصر على ما هو عليه، بل ازداد سوءًا عن تنفيذ الوعود.. وهو ما أراه فيما قصدت إليه الولايات المتحدة بتلك الشروط!! فهي لن تصمد في شروطها ولا تنوي ذلك.. لكنها السياسة.. ويبقى المعلن غير ما يدور في الدهاليز.. أما ما تريده أمريكا تحديدًا، ويفهمه النظام المصري جيدًا هو الشرط الأول الخاص بتهريب السلاح لغزة، أي الحفاظ على أهم عائد من المنحة وهو أمن "إسرائيل".
أما الشرط الثاني والثالث فليذهبا أدراج الرياح ويطويهما النسيان، مثل القرار الذي سبقه منذ سنتين، وستغض أمريكا الطرف عنها ولا حاجة لها بهما في الوقت الحالي مقابل تنفيذ الشرط الأول؛ لذا نجد أن النظام المصري منذ شهور يعد العدة مع بدو سيناء في منع التهريب، بل وأسند هذا الملف لجهاز أمن الدولة الذي اعتقل من البدو الكثير في سبيل تحقيق ما تريده أمريكا المانحة، وحتى ظهرت الأزمة التي انتهت بالمفاوضات المصرية مع بدو سيناء، وما زالت مصر مستمرةً في مساعداتها الأمنية والاستخباراتية لصالح أمريكا، وما تلعبه من أدوار لتحقيق العائد الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط.
ويكفي تصريح "شون ماكورماك"- المتحدث الرسمي للخارجية الأمريكية- حول حفظ الحدود من الجانب المصري بقوله: "سأترك المصريين يتحدثون بأفعالهم عن أنفسهم، ويظهرون الخطوات التي يقومون بها لحفظ الحدود، فهم يعرفون أهميتها بالنسبة لأمنهم، وهذا يجعلهم يدركون أهمية بذل كل جهد ممكن لوقف التهريب عبر قطاع غزة".
ويؤكد ما سبق أن ذهب إليه د. حسام بدراوى: "إن المعونة الأمريكية مفيدة لأمريكا أكثر من مصر في أكثر من مجال، بل إن هناك فرص عمل متاحةً لأشخاص كثيرين في أمريكا بسبب هذه المعونة"، واعترف في نفس البرنامج التليفزيوني (منتهى السياسة) بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان، ويجب أن تتغير إجراءات معينة لذلك.
وختامًا.. أليس من مصلحة مصر الاستغناء عن المعونة كاملاً، والاستيعاض عنها بأكثر من أضعافها إذا نجحنا في محاربة الفساد أم أن المستفيدين من المعونة هم أنفسهم رجال الفساد؟!
أليست شروط أعداء مصر في صالح شعب مصر حتى يتولَّد إصلاح سياسي حقيقي، أم هي ضد مصالح من يحكمون شعب مصر؟!
متي وكيف نكتفي ذاتيًّا في القرار والدواء والغذاء والسلاح، ليكون في صالح الشعب ومن يحكمه؟!
ألا تكفي العقود السابقة التي لم نحرز فيها أي تقدم يُذكر في أي مجال، وعلى رأسها احترام الحقوق السياسية والحريات المدنية وحق العيش الكريم؟! فما زال قانون الطوارئ سيّئ السمعة يكتم أنفاسنا، وبديله مستقبلاً أسوأ منه، ولا زالت الألاعيب والتزوير الفاضح في ديكور ديمقراطي يستخفُّ بعقولنا، حتى محاولة الإصلاح السياسي منذ ثلاثين شهرًا، لم تلبث أن أعقبتها انتكاسة أودت باليابس والأخضر في مشهد مأساوي صاحبه تعديلات دستورية اغتالت الدستور مع الحياة السياسية التي كانت أصلاً في غرفة الإنعاش، وَأَدوا العمل النقابي والطلابي، دمَّروا هيبة الأزهر الشريف مع دار الإفتاء، قَمَعوا القوى السياسية بالمحاكمات العسكرية والاعتقالات، زادوا الأحزاب ضعفًا بزرع الفتن والإغراءات، زوَّروا انتخابات الشورى، وحرَموا أي صعود سياسي لأي منافس غيرهم.. الهموم لا تعد ولا تحصى!!
للأسف... إن أمريكا تضحك على مصر، وأمريكا ومصر يضحكان على شعب مصر، ولا عزاء للأجيال القادمة، وحتى نلقاكم مرةً أخرى في كلاكيت 2008م للمعونة الأمريكية.