أتابع الكثيرَ مما يُكتَب في بعض الصحف المعارضة والمستقلة، من الهجوم على النظام ومَن يمثلونه، فما مِن يومٍ ينشقُّ صباحه إلا وترى عناوين، حين يراها أيُّ قارئ لأول وهلةٍ يُعطي حكمًا، مفادُه أن هذه الصحف ربما تُسحَب من السوق أو تغلَق أو يُقبَض على رئيس تحريرها وصحفيِّيها، بيد أنك لا ترى سَحْبًا ولا غلقًا ولا قبضًا ولا يحزنون.
بل إنك ترى عنوانًا أو موضوعاتٍ في اليوم التالي أشدَّ وأنكى من سابقاتها، حتى إنني سمعت من أحد العالِمين ببواطن الأمور يُدلي برأيه في هذا الشأن، مؤكدًا أن النظام سعيدٌ بهذه الصحف، لا سيما وإن تعلَّق الهجوم بالسيد جمال مبارك؛ لأن هذا من لزوم التلميع المطلوب!!
لهذا وجدت نفسي أسترجع تلك القصة التي حكاها لي رجلٌ لا يحمل لقب "دكتور" أو "صحفي" أو "كاتب" أو غير ذلك، ولم يحصل من تعليمه على أكثر من الابتدائية، وكان ذلك في الثمانينيات من القرن الماضي، حين رأى معي صحيفةً معارِضةً أطالع ما جاء بها، فإذا به يقول لي: اسمع هذه الحكاية مني والتي حدثت في زمن الاحتلال الإنجليزي..
حيث خرج الخواجة ليتفقَّد مزرعته، وركب حصانه، ومعه وكيله المصري (الناظر)، وبينما هو في طريقه إلى مزرعته مرَّ بحصانه في قلب مزرعةٍ صغيرةٍ لفلاَّح صغير، فأحدث بها بعض التلفيَّات، فصاح الفلاح به قذفًا وسبًّا!! ولكنَّ الخواجة لم يفهم ما يقوله الفلاح، فتوجه إلى الناظر بالسؤال قائلاً له: ماذا يقول هذا العبد المزارِع؟! فقال الناظر للخواجة إنه "يفشّ"!!
ويقصد (فَشّ الغليل) الكلمة التي نتداولها في بعض أحيان الغضب!! فسأل الخواجة الناظر: وهل هذا الفشّ يضرُّني؟! قال لا، قال له: وهل هذا الفش يضرُّ حصاني؟! قال لا، وهل يضرُّ بمزرعتي؟! قال لا، قال له: إذًا اتركه "يفشّ" يا ناظر كيف يشاء.
حين استمعت لهذه الحكاية انطبع في ذهني أن أيَّ صوت أو أيَّ عبارة أو أيَّ عمل لا يؤثِّر في الخواجة ولا حصانه ولا في مزرعته فهو "فَشُّ غليل" لا أكثر ولا أقل، ومن هنا فإنني أخاطب كلَّ سناوي وكل عيسى وكل مهنا وكل إبراشي وكل صبَّاحي وكل الأحرار: فشُّوا كيف شئتم، فسيبقى الخواجة خواجة، والحصان حصانًا، والمزرعة مزرعة، ما بقينا بلا عمل.. ما بقينا بلا حركة.. ما بقينا لا يجمعنا هدف ولا تجمعنا وسيلة.
يا سادة، النظام يعرف ما يهدده وما لا يهدده، وما يضره وما ينفعه..
يا سادة، إن بعض الأحزاب المصنوعة مهمتها إطالة عمر النظام وإن بدت معارِضة!! مهمتها كشف عورة نفسها وستر عورة النظام وإن بدت منافسة!!
يا سادة، إن أي قول لا ينبني عليه عمل فهو لغو لا طائل من ورائه، ولا فائدة من خلاله.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
----------
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في مجلس الشعب.