د. حامد أنور انطلق الركب العربي نحو الكيان الصهيوني وقد تقمَّص دورَ مندوبي المبيعات فذهب، وكما تقول وسائل الإعلام، لتسويق المبادرة العربية وإن المرء لتمزقه الحيرة وينتابه الألم دون انقطاعٍ؛ مَن الذي يذهب للآخر؟! مَن الذي يستجدي الآخر؟! مَن الذي يُروج بضاعته؟!

وخرجت السيدة ليفني- وزيرة خارجية الكيان وضابطة المخابرات السابقة- لتبشر العرب بالفرصة السانحة التي يجب عليهم أن ينتهزوها، وأن يعضوا عليها بالنواجذ؛ إنها حمامة السلام ترفرف على باب بيت العرب أقصد جدران جامعتنا العربية.. يا لتدليسكم لقد نحرتم الأرض قربانًا لأوهام الهيكل المزعوم، وقتلتم الأطفال لري شجرة الإحلام التوراتية.
والعجيب أن هذه الأكاذيب المتكررة تنطلي على القادة العرب.. فهل يصدقونها حقًّا؟ هل يعتقدون إمكانية حدوثها؟ هل يظنون معقولية خروجها من رحم المفاوضات العقيم أم أنهم يعملون كعادتهم لتسويقها لدى الشعوب العربية المخدوعة والمغيبة من أكثر من طرفٍ وجهةٍ؟! ما أكثر الذئاب التي تجمعت حواليك يا أمة الإسلام.
ألم يسمع القادة العرب يومًا مثلاً قاله أسلافهم لمَن يغدر ويعود لمَن يمزق أوراق الورود، لمَن يكذب مرةً بعد مرة ثم يزعم دومًا أنها آخر مرة؟! لقد قال أسلافنا لمَن كانت تلك صفاته وسلوكياته وأفعاله: "كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟".
كيف يعاود العرب الكيانَ الغاصب وفأسه تهدم البيوت على أصحابها تقتل الضحكات البريئة في شفاهها تغتال الفرح قبل أن يرمي بعباءته على أهلينا؟ كيف يعاود العرب الكيانَ الغاصب وقد قتلت فأسه المصلين ركعًا وسجدًا وقطعت الأشجار وأقامت الجدار؟ كيف يعاوده وفأسه ضربت مفاعلات العراق وتسعى من خلال الإدارة الأمريكية إلى تقطيع أوصاله وإثخان الجراح في أكباد أبنائه؟ ألا نعتبر من الماضي يومًا؟ ألا يفتحون كتاب التاريخ؟ ألا يقسون على أنفسهم ويُفكِّرون ولو للحظاتٍ كيف نقرأ الأحداث ونفهم اللعبة السياسية أم أن سكرة الكرسي والسلطان أصابت العيون بالعمى والأذهان بالزهايمر؟!
هل ما أصاب السيد أبو الغيط من خجلٍ واستحياءٍ ظهرت ملامحه واضحةً جليةً في مؤتمره الصحفي مع السيدة ليفني؛ لأنه شعر أن مكانه هذا قد وقف فيه كثيرون, وقف فيه قبله آخرون مما جعله في النهاية لا ينزل من حيث نزلت ليفني والخطيب، وتظاهر بأنه يُسلِّم على أحد الصحفيين؟ ربما تساءل بينه وبين نفسه: ألم تُعقَد من قبل الاتفاقيات أوسلو، واي بلانتشن, كامب دايفيد، وينقضون في كل عامٍ عهدهم ليس مرةً ولا مرتين، بل مئات وآلاف المرات والخروقات، وكانت آلة الإعلام الخادعة تُروِّج على أنه الفجر القادم والمستقبل الحالم والفرصة التاريخية.. أيها السادة، إن أشرار العالم لا أمانَ لهم، إنهم لا أيمان لهم، إنهم أئمة الكفر.
نفس الكلمات نفس العبارات لم تتغير سوى وجوه مَن يلقونها، إن الدعوة إلى السلم في هذه اللحظات لهي أكبر جريمةٍ نرتكبها في حق أنفسنا، في حق أمتنا، إن الدعوة إلى السلم في هذا العالم المتوحش لا تعني سوى الرضوخ لإملاءته والنزول على شروطه ورغباته، والرضا بما يُلقيه إلينا من فتاتٍ.. سمَّاه القرآن الكريم الوهن ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ (محمد: من الآية 35).
فما لنا قد أصابنا الوهن؟! ما لنا حاصرتنا الخطوب والمحن؟! ما لنا قد تبرَّأ منا.. من مواقفنا.. من كلماتنا الدين والوطن؟! ما لنا لم يعد يجري في عروقنا دماء بل أنهار من الهمِّ والحزن.. من العجز والدرن؟! إن سألك أحد في هذا التيه الغيهبي ما يُشقيك؟ فقل: "أبحث عن رجالٍ لهذا الوطن".
-----------