![]() |
|
د. خالد فهمي |
كان الأستاذ الصحفي الفاضل حلمي النمنم، محقًّا عندما أوحى بأن يشترط شرطين لهما خطرهما في العمل العلمي داخل الجامعات والأكاديميات المختلفة عندما امتدح تاريخ الجامعة المصرية الأم، يوم زارها الفيلسوف الفرنسي المعاصر (جان بول سارتر) وصديقته سيمون دي بوفوار فقوبلا بحوارٍ خصبٍ من جانب المفكرين المصريين.
يقول الأستاذ النمنم في مقاله (نواب المحظورة، يحاصرون الحرية الأكاديمية) المنشور في مجلة "المصور" في عددها الصادر في 6 رجب 1428هـ= 20 يولية 2007م برقم 4319 ص 51: "استضافت جامعة القاهرة جان بول سارتر وكان وجوديًّا ملحدًا، وفي محاضراته تحدَّث في الفكر والفلسفة ولم يأتِ ليعرض علينا إلحاده، وشهدت جامعة القاهرة حوارًا خصبًا بينه وبين المفكرين والأساتذة المصريين ولم ينتقص حضور سارتر وسيمون دي بوفوار من قيمة الجامعة ولا قامَ هو بالإساءة ولا مارس عملية غسيل مخ مثلاً على أساتذتنا"، وفي هذا مدخل جيد للتعليق على كثيرٍ مما ورد في مقال الأستاذ النمنم ذلك أنني أوافقه على أن تكون الجامعة محضنًا للحرية تزهو بها وترقى بما ينمو في أجوائها بالشرطين اللذين ذكرهما في سياق التمثيل بتجربة جامعة القاهرة زمان الشمولية السياسية!
إنني أستطيع أن أقرر أن الدكتور روبن فايرستون خالف الشرطين اللذين جاءا في كلام النمنم؛ لأنه أساء إلينا باسم العلم الذي خالفه وتنكَّر له، وباسم المنهج العلمي الذي خانه، وطبَّقه بتحيز وعنصرية، وهو التعبير الذي واجهته به، وترجمه له الدكتور جمال الرفاعي الذي كان موكولاً إليه ترجمة المحاضرة لجمهور الحاضرين، ولأنه حاول أن يمارس عملية غسيل مخ للحضور من رواد المحاضرة العلمية كما زعم!
ثمة مجموعة من الملاحظات الشكلية والمؤثرة جدًّا في الوقت نفسه على فهم ما حدث، لقد بدت المحاضرة في العنوان الذي أعلن، وروَّج له في الدعايات المخصصة للندوة ناقصة؛ إذ خلت من طبيعة المنهج الذي طبَّقه المحاضر، هل هي طبيعة تحليلية نقدية؟ وإن كانت كذلك فلماذا لم يتعرض بالنقد لنصوص الكتاب المقدس التوراة والإنجيل في الوقت الذي يتعرض فيه لنقد نصوص القرآن الكريم عندما قال بالنص: "إن القرآن في تناوله لفكرة الاصطفاء غير واضح ومبهم وغير محدد المعالم"؟! وهو ما كان موضع تعليقٍ مني في المداخلة التي قمتُ بها في المحاضرة، وهو ما أثبتته جريدة "المصري اليوم" في عددها الصادر يوم الأحد 8/7/2007م نقلاً عن نص المحاضرة المترجم الذي أرسله الأستاذ الدكتور محمد الهواري إليها.
وإن كان المنهج المُطبَّق في معالجة موضوع المحاضرة هو المنهج الاستقرائي الذي يعني بالتأريخ للفكرة وجمع نصوصها.. فلماذا تعرَّض بالنقد والهجوم على القرآن؟ ثم لماذا جمع نصوص التوراة المتعلقة بالاصطفاء على حين اكتفى- ممارسًا نوعًا من الانتقاء البغيض في هذا الإطار لنصوص القرآن الكريم- اكتفى بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110) متجاهلاً مجموعة ضخمة من نصوص الاصطفاء التي أعلت من مريم، ومن بني إسرائيل يوم كانوا مؤمنين ومن إبراهيم عليه السلام في سياق نفى فيه أن يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا ألست معي أيها الكاتب الكريم أن ذلك خرقٌ لمبادئ المنهج العلمي؟.. هذه أولى المسائل التي سميتها شكلية وهي مؤثرة جدًّا أيضًا.
من جانب آخر لقد بدا من الطريقة الحميمة التي قدَّم بها الدكتور محمد الهواري الدكتور فايرستون ما أثار تساؤلات كثيرة عن موجة الدعوة والاستضافة للمحاضر، هل هي دعوة شخصية أملتها العلاقة القوية بين الرجلين، أم كانت بعلم الجامعة والكلية؟!
وما علاقة امتداح فايرستون على لسان الدكتور الهواري في مقدمة المحاضرة بأن علاقته بإسرائيل حميمة؟، ولماذا ينفي الدكتور الهواري أنه حاخام مع أنه وصفه بأنه (رباي) وقد طلبتُ من الدكتور الرفاعي ترجمة هذا المصطلح للجمهور فقال بالحرف الواحد (حاخام يا دكتور حاخام)؟.
لقد عمل اليهود في الجامعة المصرية، ولكن قبل احتلال فلسطين، وعمل اليهود في الجامعة المصرية بعلم الحكومة المصرية والإدارة المصرية، لا بعلاقاتٍ شخصيةٍ ودودة، وعمل اليهود في الجامعة المصرية يوم لم يكن على حدودنا الشرقية عدو خسيس يقلق الحكومة المصرية الآن، وحق لها أن تقلق، وترتاب في كل مَن يُبدي استعدادًا للتعاون الأكاديمي لها، وهو ما بدا واضحًا في قضية مهندس أنشاص الأخيرة، وحق لها أن ترتاب!.. هذه ملاحظات شكلية لكنها مؤثرة جدًّا كما نرى.
أما الشق المنهجي والموضوعي الذي يحمل قدرًا كبيرًا من الإساءة لمصر ودينها، ويحمل عملية تستتر باسم العلم تهدف إلى غسيل عقول المصريين، وليس صحيحًا أن كل حضور الندوة كانوا من الأساتذة المتخصصين بل كان منهم كثيرٌ من طلاب الدراسات العليا وغير العليا، وقد ورد عدد من الأسئلة لمدير الندوة من الطلاب على حين لم يصله إلا مداخلات قليلة جدًّا، وليسمح لي الأستاذ حلمي النمنم أن أسوق له ما يتعلق بالشق الموضوعي في النقاط التالية:
1- لماذا لم تتم دعوة أحد الأساتذة المتخصصين للتعليق على المحاضرة، وهذا واحد من التقاليد العلمية الراسخة في الأكاديميات العالمية التي تعرفها آداب عين شمس ومارستها في آخر ندواتها عن المشاركة الشعبية منذ عامين فقط؟!
2- لقد علَّق فايرستون على رؤيا عبد المطلب التي أمرته بذبح عبد الله أنها من رؤى الجن! وهو ضربٌ في الصميم لفكرة النبوة المحمدية؛ لأن الإسلام يقرر في سنن نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أنه ابن الذبيحين، في إشارةٍ إلى العناية الاصطفائية التي أحاطت ببعثته.
3- لقد قال فايرستون إن فكرة الاصطفاء قامت على العشوائية، وهو اتهام مباشر للإرادة الإلهية.
4- الإلحاح على فكرة أن الدين منتج، وهي ذات المقولة التي يتبناها التفسير الماركسي للتاريخ.
5- ترجيح أن يكون إسحاق هو الذبيح، وهو ما يترتب عليه أمور اعتقادية في اليهودية منها أن نسله هو الشعب المختار، ومن ثَمَّ الترسيخ للاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية.
6- الإلحاح على أن هاجر (أمة)= عَبدة، وأن نسلها أو شعبها يستحق الاستعباد وهو ترسيخ جديد للاحتلال، وبحث عن أدلةٍ تمنحه الشرعية.
7- لم يذكر الدكتور فايرستون ارتباط فكرة الاختبار في اليهودية بالعرق والدم، وهو ملمح بغيض، ولم يلمح إلى أن الفكرة عند المسلمين لا هي عرقية ولا جنسية، إذ بإمكان كل مسلم أن يكون مختارًا لو حقق في نفسه شروط الولاية إيمانًا وعملاً صالحًا، وهنا ينبغي أن نقرر أن الاختيار بهذا المفهوم أعمق إنسانيةً في التصور الإسلامي، وهو ما صرَّحت به في مداخلتي يوم المحاضرة.
هذه نقاط قليلة من سهام مسمومة أساء بها فايرستون وحاول بها أن يغسل عقول كثيرٍ من الحضور.
بقيت مجموعة من الملاحظات العامة أرجو أن يتسع صدر الأستاذ النمنم لها:
لقد عاب الأستاذ الفاضل على بعض نواب المحظورة (وهو يقصد الإخوان المسلمين تفجيرهم للقضية لامزًا إياهم بأن أحدًا منهم لم يحضر المحاضرة)، وكأنه من الضروري أن أحضر لكي أتكلم؟ وهل حضر الأستاذ حلمي النمنم المحاضرة حتى يكتب عنها؟! وهل يعيبه أن يناقش الشأن العام وهو لم يحضر؟!
لقد اعترض طلاب الجامعة المصرية ومنهم يومئذ العميد طه حسين على كارل نللينو الإيطالي يوم نمى إلى علمهم تعدي إيطاليا على مصر، فرفضوا حضور محاضراته، وهي يومئذٍ عن تاريخ الفلك عند العرب ومن تاريخ آداب العرب أو لم يقل أحد في ذلك تضييقًا على العلم والجامعة.
إن المحزن حقًّا أن يستخف الأستاذ النمنم بعقول قارئيه عندما يقول إن ما حدث من بعض نواب هذه الجماعة مطاردة فكرية وتضييق على البحث العلمي؛ مما كان له أثره على تأخُّر تصنيف جامعتنا في قائمة الجامعات العالمية، وذلك مخالف للتقارير الحكومية التي أعدتها الدولة في مناقشتها لهذا الأمر؛ حيث تبيَّن أن الاعتمادات المالية، وعقم طرق التحكيم العلمي وتكدس الأعداد، والاستبداد الحكومي أحيانًا هي أسباب تخلف جامعاتنا.
لقد قال الأستاذ النمنم وصدق أن اللقاءات عندما تكون علمية فإنها سوف تخلو من الإساءة الدينية والوطنية، وأن الإساءة تعني حتمًا بقياس العكس غياب الروح العلمية.
لقد أساء فايرستون عندما قرر أن هاجر أَمَة، وهي مصر وعندما قرر أن نسلها يستحق الاستعباد ونحن من نسلها، إنني مضطرٌ إلى أن أرى في محاضرة فايرستون إهانةً لمصر وللوطنية المصرية.
ولقد أساء ثانيةً عندما قرر أن نبوءة ذبح عبد الله من رؤى الجن وأن القرآن غامض مبهم غير محدد المعالم، كما جاء في الترجمة التي أرسلها الدكتور الهواري لـ"المصري اليوم"، ومن ثم فأنا مضطر كذلك إلى أن أقرر أن في عمل فايرستون والهواري ومركز الحضارات المعاصرة، وجامعة عين شمس إن كانت على علمٍ بالدعوة راعية للاستضافة إساءة للدين وتعديًا على الله.
------------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية
