هناك عدد من الحقائق في المسألة الكردية يبدأ بها أي بحث في هذه المسألة الشائكة:
الحقيقة الأولى: هي أن المسألة الكردية لها أوجه وملفات متعددة بحسب الجهة التي تنظر إلى هذه المسألة أو القوى التي تتعامل معها وهي خمس على الأقل.
الطرف الأول: هو الطرف التركي المعني بمجمل المسألة الكردية وخاصةً في شقها التركي.
ولسنا بحاجةٍ إلى التأكيد على أن التهديد الكردي (حزب العمال PKK) سواء بالاستقلال أو بالحكم الذاتي وأساليبه المروعة قد شغل تركيا لعدة عقود، وإن ورقة الأكراد الأتراك بالغة الخطر على مستقبل الدولة التركية وإنها استخدمت من جانب دول كثيرة وتصدَّرت أولويات السياسة التركية لدرجة أن تركيا حاصرت سوريا وعمدت عليها إلى التركيز عليها حتى سمحت لعبد الله أوجلان أن يغادر سوريا؛ حيث تم القبض عليه بعد ذلك عبر محطات كثيرة آخرها في أفريقيا.
الطرف الثاني: هو العراق الذي كان يعتبر الأكراد العراقيين وبقية الأكراد لا يُشكِّلون أمةً ولا خطرَ على اتصالهم، وعلى كل دولةٍ أن تتعامل مع أكرادها وفق ظروفها.. فلما تحللت الدولة العراقية أصبح أكراد العراق هم رأس الحربة في إيقاظ القومية الكردية، وإذا كان استقلال أكراد العراق لا يلقي مقاومةً من عراق قد انهار وتفكك، فإن هذا الاستقلال له تداعياته الخطيرة على تركيا.
الطرف الثالث: هو إيران التي لا تمانع في التعاون مع تركيا لوقف تداعي الخطر الكردي على كل منهما.
أما الطرف الرابع: فهو الولايات المتحدة التي تلعب بالورقة الكردية على أوجهها الأربعة: (العراقية- السورية- الإيرانية والتركية)، ولكل ملف حساباته الخاصة، حيث إنه من الواضح أن:
الورقة الكردية في العراق أداة لتصفية العراق العربي وخلق قاعدة للنفوذ الأمريكي في المنطقة، ولا حاجةَ إلى سرد تاريخ التحالف الكردي العراقي مع الغزو الأمريكي للعراق.
أما الورقة الكردية مع إيران فهي جزءٌ من الصراع الأمريكي الإيراني، مع ملاحظة البعد "الإسرائيلي" في كل هذه الحلقات.
وأما الورقة الكردية مع سوريا فهي تستخدم في سياسة الاستهداف الأمريكي لسوريا عند اللزوم وإن كان أثرها محدودًا بالنظر إلى النسبة القليلة نسبيًّا لعدد أكراد سوريا واتصالهم مباشرةً بأكراد تركيا جغرافيًّا.
أما الورقة الكردية مع تركيا وهي موضوع هذا التحليل فسوف نُلقي عليه الضوء بعد هذا التقديم.
الحقيقة الثانية: هي أن واشنطن تنبهت إلى الورقة الكردية منذ الحرب العالمية الأولى في صلح فرنسا في إطار سعيها للاستغلال ورقة الأقليات لتفكيك الإمبراطورية العثمانية، وشجعت فرنسا على اقتطاع الإسكندرونة بمعرفة فرنسا وإهدائها إلى تركيا، وعندما قررت أن تلعب هذه الورقة بوضوحٍ مع إيران أواسط السبعينيات، كانت متحيزةً لإيران الشاه ثم لعبت هذه الورقة كجزءٍ من إستراتيجية تقويض سلطة صدام حسين بعد غزوه للكويت، وميزت بوضوح بين معاملتها لأكراد العراق الذين احتضنتهم وأكراد تركيا الذين وقفت ضدهم لصالح حليفتها تركيا.
الحقيقة الثالثة: أن واشنطن تدرك أن الأكراد لم يكن لهم في يومٍ من الأيام دولة وأن سياساتها تجاه أكراد العراق سيلهب المشاعر القومية عند كل الأكراد بما في ذلك من تداعيات خطيرة على المنطقة.
هذه الحقائق الثلاث لا بد من استحضارها ونحن نحاول فهم حسابات واشنطن وتركيا في المسألة الكردية؛ فلا شك أن تركيا هي الحليف المخلص دائمًا لواشنطن منذ أن فرض مذهب ترومان على تركيا أن تكون جزءًا من التحالف الغربي الأطلسي ضد الاتحاد السوﭭيتي. وتدرك واشنطن أيضًا أن تركيا حليف مهم للمساعدة في ضبط تفاعلات الصراع العربي- "الإسرائيلي"، والخليج، خاصةً بعد زوال الخطر السوﭭيتي؛ ولذلك شجعت واشنطن الاتحاد الأوربي على قبول تركيا عضوًا فيه وهو هدف تسعى إليه تركيا بكل قوتها وتعول على مساندة واشنطن في هذا الشأن.
وإذا كانت واشنطن تشعر بعدم الرضا بسبب عدم تعاون تركيا تمامًا معها في غزوها للعراق، أو بسبب تنامي قوة التيار الإسلامي الحاكم وسيطرته على الجهتين في اختيار القوة في شأن طريقة انتخاب رئيس الجمهورية، فإن تركيا لا تزال حليفًا لواشنطن و"إسرائيل"، ولا تزال تحتفظ بمسافةٍ مع حماس وحزب الله وإن لم تكن مرضيةً تمامًا لواشنطن.
لا شك رابعًا أن واشنطن تدرك أن تشجيع أكراد العراق على الانفصال وهو يلقى تشجيعًا من "إسرائيل" يشكل أكبر تهديد وتحدٍّ لتركيا ويعيد إلى المقدمة ملف الأكراد بكل تداعياته السلبية، ويجعل صوت واشنطن لدى الرأي العام الكردي في الحضيض.. فهل تعمدت واشنطن المخاطرة بصداقة تركيا خاصة بعد أن حذَّرت تركيا من اجتياح شمال العراق حتى توقَّف المد الكردي المستقل بين جنوب وشمال العراق؟
إن واشنطن تدرك قطعًا أن تركيا لن تساوم في تداعيات تنامي الروح الكردية والتنسيق المتزايد بين أكراد العراق وتركيا، إن تركيا تعد العدة جديًّا لوقف هذا الخطر تساعدها في ذلك إيران، فهل تتصدى واشنطن حقًّا لتركيا أم ستضغط بمقابل أم لها حسابات أخرى مختلفة؟ وهل تكون الورق الكردية هي الورقة الذهبية التي تضرب بها واشنطن مختلف الأطراف وهم العرب وإيران وتركيا في الأساس؟ وهل تفكير تركيا حقًّا في التصدي بالقوة لأكراد العراق إن عاجلاً أو آجلاً أو أن تحتل منطقةً آمنةً في شمال العراق؟
ومن الواضح أن الولايات المتحدة تصر على استخدام الورقة الكردية بجميع جوانبها وهي تدرك خطورة ما تفعل، فهي من ناحيةٍ لا يهمها العالم العربي بعد أن قامت بتقسيم العراق دون أن يحرك العالم العربي ساكنًا وألغت عروبته في الدستور الدائم بنفس المنطق، ومن ناحيةٍ أخرى فإن إثارة النزعة القومية لدى الأكراد يعتبر شوكةً في جنب إيران يمكن التفاوض عليها عندما يحين وقت التفاوض.
أما الجانب الأخطر فهو أن أكراد تركيا الذين يسعون إلى تقسيم تركيا بدأوا يتلقون دعمًا عسكريًّا مباشرًا من القوات الأمريكية في العراق.
صحيح أن المساندة الأمريكية للأكراد كانت مستمرةً، وأن الظاهر فقط هو التظاهر بالمساندة الأمريكية لتركيا وكان أكبر دليل على ذلك هو تمكين تركيا من القبض على عبد الله أوجلان بعد أن غادر سوريا عام 1998م ولكن الجديد هو ما أعلنه وزير الخارجية التركية عن المساعدة العسكرية لحزب العمال التركي الكردي.
فهل تحدث مواجهة سياسية بين تركيا والولايات المتحدة بسبب إصرار تركيا على منع قيام دولة كردية حاضنة للأكراد في شمال العراق وإصرار أمريكا على المضي في مساندة الأكراد لأسباب سبق ذكرها؟
وما مصير هذا الصدام على علاقة التحالف بين تركيا والولايات المتحدة؟ وهل هذا الموقف الأمريكي يلقى مساندةً من أوروبا؟ أم أن الحسابات الأمريكية تفترق على الأولوية بالنسبة للأكراد، خاصةً أن أوروبا متقدمة خطوات كثيرة في مساعدة الأكراد على الموقف الغامض الأمريكي؟.
تلك تساؤلات ملحة لا يمكن تجاهلها وسط التسارع في الأحداث واقتراب الطرفين من نقطة الصدام.