الصورة غير متاحة

د. حلمي القاعود

كانت فاجعة اغتيال قرابة مائة طالب وطالبة، بالإضافة إلى إمام المسجد الأحمر ونائبه عبد الرشيد غازي في إسلام آباد، مؤثرةً ومثيرةً ودالةً على مدى الوحشية التي وصل إليها الديكتاتور العسكري الذي سلَّم بلاده، وأعلن ولاءه للأمريكان دون مواربة أو حياء.

 

لقد أمر "برويز مشرف" قوات الجيش، بوصفه قائدًا عامًّا مباشرًا، باقتحام المسجد وتدميره وقتل من فيه، وضرب عرض الحائط بالوساطات التي قام بها زعماء القبائل الباكستانية وعلماء الدين وإمام الحرم المكي الشيخ عبد الرحمن السديس، ولم يستجِب للتفاهم، وإخلاء الطلاب والطالبات الصغار ومعلميهم من الرجال والنساء، وأصر على أن يُسلِّم الجميعُ أنفسَهم بلا قيد ولا شرط لقواته، وإلا فإن مصيرهم إلى الموت، وهو ما حدث بالفعل، وسعدت به أمريكا سيدة "مشرف" وحاضنته، وموجهته في عملية استئصال الإسلام بإغلاق مدارس القرآن، وتغيير المناهج الإسلامية، والثقافة الإسلامية، وإحلال الثقافة الغربية بدلاً عنها، بوصف ذلك محاربةً لما تسميه "الإرهاب".

 

كان مشرف بأوامر من سادته الأمريكان قد أبلى بلاءً غير حسن في شنِّ حربٍ داميةٍ منذ سنوات ضد القبائل الباكستانية في منطقة وزيرستان والمناطق الحدودية مع أفغانستان؛ بحجة محاربة القاعدة والخلايا الإرهابية لطالبان كما يسمونها، واكتشف الناس بعد مرور بعض الوقت أن مشرف يحارب الإسلام وليس القاعدة أو طالبان، وأنه يريد إسلامًا على مزاج سادته في واشنطن؛ ليتم لهم السيطرة على بترول بحر قزوين بعد احتلال أفغانستان والعراق، واستعصاء إيران على الاحتلال حتى الآن بسبب تكلفته الباهظة.

 

ولما كانت الأولى والثانية قد بدأتا نوعًا من المقاومة أزعج هؤلاء السادة فقد أشركوا السيد مشرف ليسهِّل ما صعب عليهم؛ بحجة أن المناطق الحدودية مع أفغانستان متعاطفةٌ مع طالبان، مثلما زعم أن سورية متعاطفة مع المقاومة العراقية وترسل كل شهر ثمانين انتحاريًّا، هكذا بالضبط، وهو ما يصنع قلقًا للمحتل الصليبي الذي يريد أن يسيطر على القوس المحيط ببحر قزوين ليضمن نفطه كاملاً، ولذا يُجيِّش دولاً عربيةً وإسلاميةً كي تشاركه حربه ضد مَن يسمِّيهم "الإرهابيين"، وفي طليعتهم باكستان بقيادة "مشرف" المستنير!!

 

جاء "مشرف" إلى الحكم بانقلاب عسكري، وقضى على النظام الديمقراطي، وأعلن الحكم العسكري السافر، واحتفظ بقيادة الجيش لنفسه، وشنَّ حملاتٍ ضاريةً بالاعتقال والمحاكمات ضد المعارضة وزعمائها، ولكنَّ الشعب الباكستاني شعب حيّ ومقاتل، ولا يستسلم لما هو قائم، فلم يكفَّ منذ وصول مشرف إلى منصة الحكم عن التظاهر وإعلان رفضه له ولحكمه، وقامت في أرجاء البلاد مظاهراتٌ ضخمةٌ، كانت تتحرك عقب صلاة الجمعة كل أسبوع غالبًا، لذا يكنُّ السيد مشرف عداءً سافرًا لعلماء الدين.

 

ولما كان القضاء ينصف هؤلاء العلماء ويفرِج عن المعارضين فقد اتجه مشرف ليعصف بالقضاء، ويخيف القضاة، فعزل قاضي القضاة في باكستان "افتخار أحمد شودري"، وهو ما أثار عليه جموع الشعب أو زاد في ثورتهم، وحكمت المحكمة الدستورية بإعادته إلى منصبه، ولكن الديكتاتور أصرَّ على موقفه، ولم يعُد قاضي القضاة إلى منصبه.

 

وجاء حصار المسجد الأحمر والمدرسة القرآنية الملحقة به والهجوم عليهما حلقةً جديدةً في سلسلة طويلة، كما فعل في مساجد أخرى؛ ليؤكد أن الخادم الأمريكي يمضي في خطط سيده الشيطانية بدقة وانتظام، غير عابئ بخلُق أو دين أو حرمة لمكان العبادة، ولو أن أحدًا آخر اقتحم معبدًا أو كنيسةً في أي مكان من العالم لقامت الدنيا ولم تقعد.

 

ولكن لأن دماء المسلمين رخيصة فقد سكتت الولايات المتحدة عما فعله خادمها وجنوده، ولم تتفوَّه بكلمة حتى الآن، فضلاً عن الصمت المريع المريب الذي التزمته منظمات حقوق الإنسان الدولية وما يُسمى منظمات المجتمع في العالم والبلاد العربية، التي جعلت من موت الطفلة "بدور" في أثناء عملية الختان مصيبةً كبرى حلَّت بالعالم، ولكن موت مائة باكستاني في بيت من بيوت الله لا يشكِّل لهؤلاء المنافقين الكذابين الأفاقين أيةَ حساسية أو مشكلة أو يوخز ضمائرهم الميتة التي تحركها الدولارات الأمريكية واليورو الأوروبي!!

 

والغريب أن بعض هؤلاء لم يخجل من نفسه، فوصف القتلى بـ"المتشددين"، وبعضهم للأسف يعمل في صحف عربية ومصرية، وكأن "المتشدد"- على فرض تشدده- يجب قتله وسحقه تمامًا مثلما تُقتَل الصراصير وتُسحَق، هذا بالنسبة للمتشدد المسلم.

 

أما المتشدد اليهودي أو المتشدد الصليبي فهو صاحب قضية، وتجب محاورته بالحسنى وتحقيق رغباته والصبر عليه حتى لو كان "كاهانا" الذي قتل أكثر من ثلاثين مصليًا ليلة القدر في مدينة الخليل الفلسطينية المحتلة منذ سنوات!!

 

ثم إن هؤلاء الكذبة زعموا أن الطلاب مع إمامهم عبد الرشيد غازي كانوا مسلحين، وهو ما نفاه أولياء أمور القتلى والضحايا، ونفاه "قاضي حسين" زعيم المعارضة الإسلامية وعالم الدين الذي لا يكذب، ولكنَّ الآلة الدعائية الغربية وأتباعها في بلادنا يُصرُّون على أن المسجد كان مليئًا بالبنادق والقنابل والأقنعة الواقعية، وهو ما لم يحدث أبدًا، ولم يجدوا له أثرًا بعد أن ارتكب مشرف وعسكره جريمتهم الآثمة!!

 

ترى لو أن جماعةً إسلاميةً هي التي اقتحمت مسجدًا دون أن تقتل أو تضرب، ماذا كان سيقول العملاء الكذبة في صحافة الغرب وبعض صحفنا العميلة؟! كيف كانوا سيصرخون ويملأون الدنيا صياحًا، ويقومون بلطم الخدود وشق الجيوب، وإقامة الدنيا دون إقعادها؛ تنديدًا بما فعله الإسلاميون الإرهابيون الدمويون المتخلِّفون الرجعيون الظلاميون؟!

 

إن التحالف الصليبي الاستعماري بقيادة الولايات المتحدة صار اليوم يُعفي نفسه من كثير من العمليات القذرة، عن طريق العملاء من أمثال مشرف، الذين نصبهم فراعنة وطواغيت في معظم أنحاء العالم الإسلامي، ومهمتهم الأولى هي استئصال الإسلام عنصر المقاومة الوحيد الذي تبقَّى للمسلمين، بعد أن أثبتت المعارضة العلمانية واليسارية انتهازيتها وعمالتها للأنظمة الحاكمة وللأمريكان المستعمرين وللغزاة النازيين اليهود.

 

لذا كان الحكام العسكريون أو البوليسيون من أشدِّ الحكام وحشيةً ضد الإسلام ودعاته وعلمائه، وقد تركوا بلادهم فريسةً للفقر والتخلُّف والتقهقر أمام الأعداء الحقيقيين، وتفرغوا لقمع الشعوب وإذلالها بالدساتير الشاذَّة والقوانين الفاسدة والهياكل الإدارية المتداعية، وفتحوا الباب للمستعمر الصليبي أو الغازي اليهودي يعبث فيها كيف يشاء ويخرِّب كيف يشاء، عن طريق عملائه وصنائعه في مرافق البلاد كافة.

 

لقد أعلن مشرف بكل صفاقة- بعد ارتكاب جريمته النكراء- أنه سيواصل حملتَه التي بدأها بالمسجد الأحمر ومدرسة حفصة الملحقة به أنه سيواصل طريق الإجرام تحت مسمى مكافحة الإرهاب، وهو يعني استئصال الإسلام ومحاربة دعاته وطلابه وعلمائه، ولكن أنى له ذلك؟!

 

أعتقد أن الشعب الباكستاني الشقيق بحكم حيويته لن يسمح لمشرف وأمثاله من الخدم غير الشرفاء بالاستمرار طويلاً في قمعه وإذلاله وقتله واقتحام مساجده، تحت الدعوى الكاذبة التي تتوشَّح بمحاربة الإرهاب والتطرف والتشدد؛ لأنها في حقيقة الأمر حرب صريحة على الإسلام والمسلمين، وسعيٌ حثيثٌ لنهب البترول والثروات الموجودة في بلاد الإسلام والمسلمين.

---------

drhelmyalqaud@yahoo.com