تمر القضية الفلسطينية بمنعطفات غاية في الخطورة ومنحنيات أكثر حدةً ووُعُورةً، ويكاد المراقب للأحداث يشهد تلاحقًا سريعًا للمشاهد وتعاظمًا للأدوار على مسرح الوقائع وافتعالاً للملابسات والظروف، توحي كلها بأن المؤامرة على فلسطين تكاد تكون في تحضيراتها الأخيرة، وأن الإجهاز عليها في تشطيباتها أو هكذا يتخيَّل الذين يُمسكون بالخيوط العالمية والإقليمية والمحلية بهذه المعضلة الحساسة بأنها قاب قوسين أو أدنى، وأن المسرح قد تم إعداده لتقديم الفصل الأخير؛ حيث إعلان انتصار الكيان الصهيوني، واستقرار دولته في أرض فلسطين، واندحار القوى المقاومة وعلى رأسها "حماس" وباقى الفصائل الجادَّة في المعركة، ولكن.. هيهات هيهات!! فهذا حلم إبليس في الجنة.

 

ويشير كثير من الكتَّاب إلى أن هذا السيناريو قد تم الإعداد له منذ مدة طويلة، وتجهيز رجاله وأدواته وكل الأدوار تمَّ حبكها بدأب وإحكام.

 

ونحب أن نركز حديثنا حول ظاهرة تاريخية تقفز دائمًا إلى الذهن عندما يحتدم الصراع بين الأعداء المتربِّصين من جانب وبين أصحاب الحق.. أصحاب الأرض.. المدافعين عن حقهم وأرضهم وعرضهم من جانب آخر، هذه الظاهرة تتمثَّل في وجود أعداد من الأشخاص محسوبين على أهل القضية، بل ويتقمَّصون بعض أدوار البطولة حتى يلتبس على بعض الناس أنهم أبطال وأنهم مقاومون، مع أنهم ليس لهم في المقاومة نصيب، ولم يطلقوا على العدو طلقةً واحدةً، وإنما هي موجة يركبونها، وصنعة زعامة زائفة تُحاك وتفصِّل لهم وتُدَّخَر للوقت المناسب؛ حيث تسند لهم أدوار من خلالها يتمُّ ضرب المقاومة الفلسطينية وتصفية رجالها ورموزها، وتهيئة الساحة لفلول الانهزاميين والمستسلمين لبيع القضية على طاولة المفاوضات، فيما يُطلَق عليه "العملية السليمة أو الاستسلامية"، التى أُعلن عن موتها منذ مدة طويلة؛ حيث تبيَّن لكل عاقل مخلص للقضية أنها سرابٌ يحسبه الظمآن ماءً.

 

ولقد كثر الحديث في الأزمة الأخيرة عن شخصية مثيرة للجدل، هي شخصية محمد دحلان؛ حيث يرتبط اسمه دائمًا بالمشكلات والأزمات ذات الوزن الثقيل، وما حدث في قطاع غزة مؤخرًا من مواجهات دامية بين فتح وحماس ليس خافيًا على أحد، ويرتبط بشكل أو بآخر بممارسات "دحلان"؛ حيث تذرَّعت حماس بالعلاقة الحميمة بينه وبين العدو الصهيوني، وأنه هو رجلها المخلص، وأنه يترأَّس أجهزةً أمنيةً عميلةً للعدو، وهذا ما حدا بحماس أن تقوم بتطويق معاقل هذه الأجهزة الأمنية، والعجيب أن كل سقطة يقع فيها "دحلان" سرعان ما يعود بعدها أكثر قوةً!!

 

 الصورة غير متاحة

جورج بوش

والمتابع لعلاقة دحلان بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني والصعود السياسي له سيشعر أنه حقًّا شخصية عجيبة وغريبة، فحركة فتح تشيد به، وتسند إليه أخطر المهام، وتسلِّمه قيادة الأجهزة الأمنية، كما أن "بوش" يقول عنه "إن هذا الفتى يعجبني..."، وذلك بعد تقديم دحلان تقريرًا مفصلاً عن الوضع الأمني في الضفة وغزة وعرضه على بوش وشارون، وعقب عليه بوش: "إن هناك أشياء نستطيع القيام بها.."، وأثناء مفاوضات "واي ريفر" عام 1997 بين الفلسطينيين والصهاينة اقترب الرئيس الأمريكي الأسبق "بيل كلينتون" منه وهمَس في أذنه قائلاً: "أرى فيك زعيمًا مستقبليًّا لشعبك".

 

وفي الوقت نفسه يرتبط دحلان بعلاقات جيدة مع الكيان الصهيوني، وغالبًا ما يبرز اسمه في عناوين الأخبار، مع تدهور الأوضاع الأمنية في الأراضى الفلسطينية!! حيث تُعوِّل عليه الأطراف الخارجية الكثير في ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار لها طبعًا.

 

وليس لدحلان دورٌ نضاليٌّ يُذكر، فلم يؤْثَر عنه أنه شارك في مقاومة ذات بال للمحتل الغاصب، ولم يمارس أو يعرف العمل السياسي أو الوطني، كما لم ينتمِ إلى أيٍّ من التنظيمات التي كانت موجودةً في فترة شبابه المبكر، وخاصةً في نهاية السبعينيات؛ حيث التحق دحلان بالجامعة الإسلامية بغزة.