د. إبراهيم الزعفراني

 

يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "دخلت امرأةٌ النار في هرةٍ حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض" صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

 

على كل مجتمعٍ أن يسعى إلى إقامة التوازن ما بين حقوق الأفراد وحق المجتمع، فلا يطغى أحدهما على الآخر، وبمعنى آخر لا ينصب الاهتمام إلى أخذ حقِّ المجتمع دون مراعاةِ حق الفرد، خاصةً في موضوع العقوبات، وعلى رأسها العقوبات السالبة للحرية التي هي أوسع العقوبات انتشارًا وتطبيقًا في عالمنا المعاصر بعد السعي إلى الحدِّ من العقوبات البدنية لحساب العقوبات السالبة للحرية التي تمتاز بمرونتها رغم أن الاعتماد عليها وحدها له أضراره وأخطاره.

 

فإذا تمَّ سلب حرية الفرد عبر الأحكام القضائية فيجب أن تقتصر العقوبة على ذلك، ولا تمتد لتطال حقوق أخرى مثل الحقوق البدنية والصحية والحقوق الاجتماعية والنفسية والحقوق الاقتصادية.

 

الأوضاع الصحية داخل السجون المصرية

في الجانب الوقائي:

1- لا يتم الكشف الطبي الكامل على السجين وقت دخوله السجن ولا يُخصص له ملف طبي مدون فيه حالته الصحية.

 

2- يسلم السجين وقت دخوله السجن ملابس السجن بعضها مخزن من فترةٍ طويلة والآخر سبق استعمالها من قِبل مساجين آخرين.

 

3- يُحشر المساجين في الزنازين بأعدادٍ كبيرةٍ لا تتناسب أبدًا مع حجم الزنزانة؛ حيث لا تتوفر فيها الحد الأدنى من التهوية أو أماكن للنوم أو المعيشة الآدمية؛ مما يسبب حدوث الأمراض وانتقالها بسهولةٍ وسط هذا العدد الكبير.

 

4- يتم حجز الأفراد في الزنازين لوقتٍ طويلٍ خلال اليوم ولا يسمح لهم بالخروج، خاصةً في الأيام الأولى لسجنهم ومنعهم من الفسحة والرياضة والتهوية والشمس؛ مما يؤثر سلبًا على حالتهم الصحية والنفسية.

 

5- دورات المياه غير كافية في كل زنزانة لهذه الأعداد المكدسة، فضلاً عن أن بعض السجون خاصةً في المحافظات غير القاهرة لا يوجد داخل الزنزانة دورة مياه أصلاً؛ مما يضطر المساجين لقضاء حاجتهم خلال الليل في أوعية تنبعت منها الروائح القذرة، بالإضافةِ إلى تلويث المكان ونقل العدوى.

 

6- الانقطاع المتكرر ولمدة طويلة لمياه الشرب وعدم وجود أوعية صحية لتخزين المياه؛ مما يساعد على انتشار الأمراض؛ بل يتم في بعض الأحيان التي تدوم فيها انقطاع المياه إلى استجلاب سهاريج مياه غير صحية ويتم التزاحم عليها من قِبل المساجين وحملها وتخزينها في أوعية غير صحية.

 

7- نوعية الطعام ومواعيده: يُوزع الطعام عن كل الوجبات مرةً واحدةً في اليوم بنوعياتٍ رديئة من متعهدين لتوريد الطعام يبحثون عن أردأ أنواع الطعام في السوق، كما يتم إعداده بطريقة لا يُراعى فيها الجانب الحرفي في الإعداد ولا الجانب الصحي؛ حيث يقوم بذلك في الغالب بعض المساجين الذين عندهم أمراض ولا يتمتعون بأقل درجات الوعي الصحي أو الكشف الصحي الدوري.

 

8- غياب ثلاجات أو أماكن لحفظ الطعام؛ مما يعرضه للفساد السريع، خاصةً بعض الأطعمة، وخصوصًا في فصل الصيف، ويترتب على تناوله أمراض ونزلات معوية جماعية.

 

9- عدم سهولة إدخال الطعام الخارجي لمَن استطاعت أسرته أن تحضر له طعامًا من الخارج إلا بعض الاستثناءات التي يُستخدم فيها وسائل خاصة في إدخال الطعام.

 

10- النوم على الأرض أو على أَسرة رديئة الصنع بها عوارض حديدية بالوسط يصعب النوم عليها، وقلة عدد البطاطين التي هي الفرش المعتمد في السجون ورداءة نوعيتها وسوء تخزينها وتسليم بعضها مستعمل من قِبل مساجين آخرين وعدم وجود وسيلة لتنظيفها.

 

وفي أحيان كثيرة عدم السماح بتعريضها لقسط وافر من الشمس لتنقيتها من الحشرات اللهم إلا لفئةٍ محظوظةٍ داخل السجون والتي تستطيع النوم على أَسرة ومراتب وأغطية اشتروها من أموالهم الخاصة وأدخلوها السجن بوسائلهم الخاصة.

 

11- عدم السماح بوقتٍ كافٍ لتنفس الهواء والتعرض للشمس وممارسة بعض الرياضات وأقلها المشي.. وطول مدة غلاق الزنازين؛ مما يسبب أمراضًا كثيرةً في العضلات والمفاصل وضعف الجسم عمومًا عن مقاومة الأمراض.

 

من الناحية العلاجية:

- أغلب السجون المصرية بها عيادات صغيرة وكمية أدوية قليلة جدًّا، وهي غير معدة بالأجهزة الطبية اللازمة للكشف الأولى، ويتم التعاقد مع أطباء حديثي التخرج بخبرةٍ قليلةٍ للقيام بالكشف لعدة ساعاتٍ قليلة لا تتناسب مع هذا العدد الكبير، ودائمًا ما يكون طبيب السجن تحت رحمة ضباط السجن، خاصةً ضابط مباحث السجن وضابط مباحث أمن الدولة اللذين يعمل لهما ألف حساب، وهو يكتب التقرير عن حالة المريض ويتردد كثيرًا خوفًا منهما في طلب أخصائي لعلاج الحالات المحتاجة، ويا ويله لو كتب تقريرًا لأحد المرضى بالعلاج بالمستشفى خارج السجن حيث يُراجع عدة مرات.

 

- الأخصائيون الذين يحضرون إلى عيادات السجون ليسوا من الكفاءات الجيدة، ولا يوجد بالسجن إمكانات طبية يستخدمونها في التشخيص أو العلاج المناسب، وكثيرًا ما يتغيبون عن مواعيدهم أو يقومون بالكشف على عددٍ قليل جدًّا في كل مرة، مع الاعتذار عن صرف الدواء بكميته اللازمة لعدم توفُّرها.

 

- ثم إن إجراءات شراء الدواء من خارج السجن عملية معقدة جدًّا.

 

- أما حالات الطوارئ أثناء إغلاق الزنازين ليلاً تحدث خلالها مصائب فإذا أُصيب السجين بأزمة قلبية مثلاً أو نزلة معوية أو نزلة شعبية أو آلام كلوية.

 

فالنداء على حراس العنبر يغضبهم واستجابة الشاويشية خارج العنابر أو الضباط النوبتجية (الذين يلتفون حول التلفاز ليلاً) صعبة جدًّا وغالبًا لا يستجيبون إلا بعد استخدام المساجين الطرق الشديد على أبواب الزنازين أو الصياح الجماعي حتى يستجاب لهم وهناك إجراءات طويلة تتم قبل فتح باب الزنزانة ليلاً وفترة أطول لإحضار المسعف الذي غالبًا ما يكون هو الموجود ليحل محل الطبيب الذي يترك نوبتجيته في أغلب الأحيان.

 

وهذا المسعف في أغلب الأحيان أيضًا يكون قليلَ الخبرة والتدريب ويتعامل مع الحالات بتردد، وحذر خاصةً في وجود المخبرين الذين هم عين المباحث على كل ما يحدث والذين يملكون الأمر.

 

في النهاية لاستدعاء الضابط الذي أمامه هو أيضًا عدة عراقيل لاستدعاء الطبيب المتخصص، أما قصة نقله إلى المستشفى فهي نادرة وإذا حدثت فبعد عدة ساعات تتجاوز الست ساعات على الأقل وإلى مستشفى سجن آخر والتي هي الأخرى غير مزودة بغرف طوارئ أو الإسعافات أو التخصصات لحالات الطوارئ.

 

- وفي الحالات التي تستدعي الانتقال إلى مستشفى قصر العيني فتحتاج إلى أيامٍ لكتابة التقرير الطبي المعتمد والاتصال بالأجهزة المعنية للموافقة على ذهابه للمستشفى فإذا كان المسجون سياسيًّا فلا بد من موافقة قيادات مباحث أمن الدولة فرع السجون، وهي تأتي بعد مشاورات.

 

- وبعد الموافقة على خروجه إلى مستشفى قصر العيني (وذلك من سجون القاهرة) على المريض أن ينتظر سيارة الترحيلات التي لها إجراءات طويلة، ومن الأحلام أن تقوم بنقله سيارة إسعافات مجهزة.

 

- وأعلى مرتبة للمريض السجين أن يُقاد إلى مستشفى قصر العيني؛ حيث الزحام الشديد وعدم الآدمية في المعاملة للمرضى عامةً وللسجين المكبلة يده في الكلبشات والتي تصحبه الحراسة مشيًا في طرقات المستشفى الطويلة المضنية.

 

- وفي كثيرٍ من الأحيان يُعاد المريض السجين مرةً وأخرى إلى السجن دون اتخاذ أي إجراء طبي لزحام المرضى في قصر العيني وأنه لم يحالفه الدور، أو لأن ضابط الترحيلة نفد صبره من كثرة الانتظار فدخل إلى الطبيب ليُوقِّع على أوراق المريض السجين (يأتي باكرًا أو في موعدٍ يحدده الطبيب)، ولا يسلم من ذلك إلا بعض المحظوظين من المسجونين المرضى الذين يستخدمون وسائلهم في الوصول إلى الخدمة الصحية أو بواسطة أهل المريض السجين إذا تمكَّنوا من معرفة موعد ترحيله إلى المستشفى بمقابلته والعمل على استعطاف الضابط والطبيب للكشف عليه، أما إذا تقرر حجزه في مستشفى قصر العيني لفحوصاتٍ أو عملية جراحية فحدث ولا حرج عن مكان الحجز في مستشفى قصر العيني فهو سجن سيئ للغاية رديء التهوية مظلم رطب، ينام معظم المرضى المكدسين على الأرض، لدرجة أن كثيرًا من المرضى يفضلون العودة إلى السجن ويعانون دون علاجٍ أفضل من دخول هذا الحجز الجهنمي.

 

الرعاية الصحية الواجبة في السجون

للسجين حقوق تتصل بصحته، منها ما هو وقائي ومنها ما هو علاجي فالحقوق الصحية الوقائية:-

1- أن يتم الكشف الطبي الكامل على السجين يوم دخوله السجن وعمل ملف صحي يوضح حالته الصحية وما يعانيه من أمراض والعناية والرعاية الواجبة له.

 

2- تهيئة مكان الإقامة من حيث التهوية والمساحة وأوقات الفسح والرياضة والتعرض للشمس والتريض- وأماكن قضاء حاجة بمواصفاتها الطبية- وتوافر الماء الصحي اللازم الطعام اللازم للحفاظ على صحته والمناسب لأحواله الصحية.

 

3- مراجعة لائحة السجون التي وضعت منذ قرون والتي لا تتناسب مع هذا العصر والقوانين الدولية لحقوق الإنسان.

 

ما الحقوق الصحية العلاجية:

- الكشف الدوري عن السجين لاكتشاف المرض مبكرًا والقيام لعلاجه.

 

- وجود عيادات داخل كل سجن يتردد عليها أطباء متخصصون لعلاج الحالات بأعداد وساعات تناسب مع أعداد المساجين في كل سجن.

 

- توافر الدواء الكافي للمرضى يتناسب مع عدد المساجين والأوضاع العامة هناك.

 

- توافر الوسائل الإدارية والتقنية السريعة التي تمكن من إسعاف الحالات المفاجئة والتي تحتاج إلى تدخل وتعامل سريع، وإلا ترتب عليها أخطار صحية يصعب تداركها.

 

- وجود مستشفى كبير داخل كل مجمع سجون تتوافر فيه غرفة للعناية المركزة الخاصة والإسعافات العاجلة، كما يتوفر له الإمكانات التقنية والفنية بالمستوى المتوافر في المستشفيات الخاصة صاحبة المستوى الجيد، لعلاج الحالات التي تحتاج إلى تدخلٍ جراحي أو تقنيات وفنيات جيدة، ويشترط إلا يُبنى سجن إلا مع وجود مستشفى جيد للعلاج (يعامل معاملة اشتراط وجود أجهزة إطفاء الحريق).

 

- تسهل إجراءات شراء الدواء للمريض من الخارج من حسابه الخاص إذا رغب في ذلك في أسرع وقتٍ ممكنٍ وعمل آلية ثابتة في كل سجن بذلك.

 

- التعاون مع عددٍ من المستشفيات المتخصصة والقريبة من السجون لمباشرة المرضى في السجون، وكذلك علاج الحالات التي تحتاج إلى علاجٍ بالمستشفى وتسهيل الإجراءات الخاصة بذلك.

 

- عدم قصر العلاج الخارجي للمساجين على قصر العيني المزدحم بالمرضى وهدم مكان حجز المرضى به، وبناء عنبر آدمي لإقامة المساجين المرضى الذين يحتاجون لرعايةٍ خاصة أو عمليات جراحية (بفتح باب التبرع الخيري لبنائه).

 

- عمل اتفاق بين إدارة السجون والنقابة العامة للأطباء والأسنان لمتابعة سير الحالة الصحية في السجون وتقديم تقارير ونصائح للإدارة، وكذلك المساعدة والمعاونة في القيام بخدمة المسجونين صحيًّا.

 

- قيام جمعيات مدنية وشركات الأجهزة الطبية والأدوية بالتبرع لصالح المرضى المساجين الذين لا يستطيعون تحمل أعباء الرعاية الطبية والعلاج.

 

 - اهتمام أعضاء النقابة ولجان حقوق الإنسان بمتابعة الرعاية الصحية بالسجون.

----------

* الأمين العام لنقابة الأطباء بالإسكندرية