المستبد لا يقاوم، والعبيد لا يقاتلون، فالاستبداد مقدمة للاحتلال، والاستبداد والاحتلال غالبًا ما يتحالفان تحالفًا براجماتيًّا (مصلحيًّا- نفعيًّا)، وإذا أطلقت بصرك يمينًا ويسارًا تجد هذا التحالف غير المقدس، تجده في أفغانستان، في باكستان، في الكثير من دول العالم، وخاصةً المنطقة العربية.

 

والاحتلال ليس احتلال أرض وإنما احتلال إرادة، واحتلال الإرادة أسوأ من احتلال الأرض؛ لأن احتلال الأرض احتلالٌ مباشرٌ يمكن توجيه العدالة (عدو مباشر واضح صريح) يمكن الانتصار عليه بالمقاومة (فما انهزم شعب يقاوم قط).

 

لذا عندما صاغ أمامنا الشهيد الإمام حسن البنا مشروعه الوطني جعل رأس الأهداف (تحرير البلاد من كل سلطان أجنبي).

 

والسلطان الأجنبي له أهداف منها:

1) تعويق مشاريع النهضة في الدول المنافسة.

2) تقويض مشروع التحرر في الدول التي تحتلها، سواءٌ احتلال أرض أو احتلال إرادة، فالغرض التخلف العلمي والتقني والتكنولوجي وحرمانها من المشروعات الإنتاجية، وفرض النمط الاستهلاكي، وعدم تحقيق الاكتفاء الذاتي، وجعلها دائمًا في احتياج إلى (المعونة الملعونة).

3) فرض التبعية السياسية في القرارات السياسية والنمط الاقتصادي (اقتصاديات السوق).

4) العزلة والواحدية، فهو ضد أي شكل جبهوي مثلاً: وحدة عربية- سوق عربية مشتركة.

5) تفريغ الأنماط الوحدوية من مضامينها، مثل الجامعة العربية؛ حيث صارت شكلاً لا مضمونًا.

6) بذر الخلافات الدافعة.. لبنان (تيار المستقبل- حزب الله- والمعارضة).. السودان (بين الجنوب والشمال والشرق والغرب).. مصر في تصوير أن هناك اضطهادًا للأقباط، مع أن الاضطهاد لكل الشعب المصري بغير تميُّز؛ لأن الاستبداد لا يفرِّق، ولأن الاستبداد ضدَّ المواطنة وضد الحريات بوجه عام.

 

ومن يعِ فكرة الإخوان يدرك أن أساس فكرتهم هي الحرية، كما قال ربعي بن عامر: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد- الاستبداد والقهر- إلى عبادة رب العباد".

 

فالهدف الأسمى أن يكون الإنسان حرًّا، فلا يمارَس ضدَّه قهرٌ في الاختيار ولا التعبير، المهمة الأساسية إزالة القيود عن صندوق الانتخاب حتى يختار الشعب حاكمَه ويصير الحاكم أجيرًا عند شعبه، لهم حقُّ عزله وإبقائه.. "أعينوني إن أطعت الله فيكم وقوِّموني إن عصيته".

 

وفي أحداث غزة الأخيرة أوضحت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أنها لا تستهدف إقامة إمارة إسلامية في غزة، وإنما الهدف كل الهدف تحرير فلسطين كل فلسطين من البحر إلى النهر.. تحرير الإنسان في اختياره، ويصبح الشعب حرًّا في صياغة توجُّهه وحلمه وأهدافه وبرنامج حياته، لا أن يفرض عليه مستبدٌّ فهْمَ الاستسلام باسم السلام، ولا التبعية باسم اشتراطات الواقع، ولا الذل والخضوع باسم المرونة.

 

الإسلام يستهدف منهجًا للشعب، ينبع من الشعب، يرضى عنه الرب، يحقِّق العدل والحرية والتنمية والرخاء والاستقرار؛ لذا حار بعض المحللين.. هل يقاومون الاستبداد أولاً أو الاحتلال؟ بعدما تشابكت المصالح بين الاستبداد والاحتلال وتداخلت الحلقات!!