وقفتُ على شاطئ بحرٍ قد احمَّر من شدة الغضب على ما بمصر من المؤلمات الباكيات المبكيات، وشرد بي الذهن وراح إلى بعيد، إلى هناك حيث الأحرار، فقال لي البحر "رغم أني ملحٌ أجاجٌ إلا أنني سوف أُوجهك إلى خير، ما رأيك أن تُرسل للأحرار رسالةً"، قلتُ ترى ماذا أقول، قال: قل لهم: "إخواني الأحرار شكرًا.. ألف تحية أُرسلها من قلبٍ أحبَّ الحرية والأحرار، أرسلها كي تعبر كل المزالج وتقفز فوق الأسوار، وأسأل ربي أن تصل إلى قلوب عباده الأطهار، تلك القلوب التي لو فتحوها لوجدوها تمتلأ حُبًّا لمصر وللأمةِ ولسائر البشرية، ولكنَّ قلوبًا غلفًا وآذانًا صُمًّا وأعينًا عُميًا لا تقر لهم بذلك.
فيا مَن أردتم لهم القهر.. لقد شاءت القدرة لهم العزة، ويا مَن أردتم لهم النصب والتعب لقد شاءت لهم القدرة راحة البال وراحة القلب ثم راحة الأبدان، ويا مَن أردتم لأهليهم اللوعةَ والفراقَ لقد خلَّفهم الله على أهليهم بخير، فيا كل هؤلاء أما آن لكم أن تعرفوا أن الله غالبٌ، وأن الأحرار إلى سمو ورفعة، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى.. فلله العزة من قبل ومن بعد.
لقد كان للأحرار عبرةٌ في يوسف، فملأوا خلواتهم بلذةِ المناجاة، وما أكثر الفيوضات الربانية على قلوب المظلومين الطاهرة.
وحين شاهدتُ الأحرار يقتادون ويُنقلون عبر المصفحات- كأنهم أعداء الوطن- والعدو أناسٌ غيرهم، وكأنهم مجرمون- ووالله ما أجرموا- ولكن المجرم قد لعنه أبناؤهم.
كل هذا العنت لا لشيءٍ سوى أنهم عاشوا أحرارًا وأرادوا لأمتهم أن تكون أمةً من الأحرار، فصادفوا أعداء الحرية أولئك الفراعنة الصغار الجدد، الذين لا يقبلون بغير سنة الغرق، الذين أغرقوا المحروسةَ في غيابات الجب، ولما أراد الأحرار أن يلتقطوها إذا بهؤلاء الفراعنة الصغار يصرخون اقتلوهم أو اطرحوهم أرضًا يخلُ لكم وجه أمريكا.
فلكم يا إخوان الحرية كل الشكر والحب من قلبٍ رأى فيكم المثل والقدوة، وأحس منكم بقرب الأمل والنصر، وأيقن أن الطريق الذي مهدتموه هو طريق الحرية.
وفجأةً إذا بصوتٍ يردني بعد شرودٍ ويُوقظني بعد غفوة، إنها عروس البحر- عروس الحرية- تهزني وتقول لي: اكتب عن لساني كلماتٍ من قلبٍ بسيط:
إلى كلِّ جبارٍ عنيد
ياللي أنت نخلة والبلح فوقك
بكره يروح البلح والتمر من فوقك
تقف خشب نجر لا تحتك ولا فوقك
تقف عريان قُدَّام الواحد الديان
حتعمل إيه يا مسكين عند الصراط والميزان
ساعتها لا هينفعك منصب ولا سلطان
حقًّا أليست هذه العروس للحرية داعية، ولكن هل تُصادف كلماتها أذن واعية.