استقرَّت الأوضاع الأمنية والميدانية نسبيًّا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد الأحداث التي شهدها قطاع غزة وبعض مدن الضفة الغربية المحتلة في إطار الأزمة التي اندلعت بين حركتَي فتح وحماس ضمن خلافات وجهات النظر والبرامج والممارسات بين الأشقاء- الفرقاء الفلسطينيين، وإنْ استمرَّ التوتر داخل الضفة بسبب الأعمال الانتقامية واستعراضات القوة التي تنفذها بعض عناصر من حركة فتح ضد مقرات ورموز حركة حماس ردًّا على الإجراءاتِ الأخيرة لحماس في قطاع غزة التي هدفت- بالرغمِ من كلِّ شيءٍ إلى استعادة السيطرة على وضعٍ أمنيٍّ بات متدهورًا ويهدد المشروع الوطني الفلسطيني الذي نقلته الفئة الانقلابية في فتح وحصرته من خانة مواجهة الكيان الصهيوني إلى خانة الفعل الداخلي فقط.
وبعد أنْ هدأ دخان البارود بدأت التحركات السياسية من جانب كلا طرفي الأزمة؛ حيث أصدر- مثلاً- رئيس الوزراء ووزير الداخلية المكلَّف في حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية إسماعيل هنية قرارًا بتشكيل المجلس الأعلى للشرطة؛ ليمارس مهامه التي نص عليها الدستور في حفظ الأمن والنظام والآداب العامة، على الجانب الآخر أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) مجموعةً من القرارات على النَّحوِ التالي:

- إقالة الحكومة الفلسطينية.

- إعلان حالة الطوارئ.

- تشكيل ما أطلق عليه اسم "حكومة طوارئ" برئاسة وزير المالية في حكومة الوحدة سلام فياض لفرض إجراءات حالة الطوارئ.

- تعليق مواد من القانون الأساسي؛ وهي المواد 65، 66، 67، وهي مواد متعلِّقة أساسًا بوضع مجلس الوزراء الفلسطيني.

- إصدار عددٍ من المراسيم لتجاوز الحدود الدستورية لسلطات رئيس السلطة من أجل تشكيل حكومة الطوارئ، بما من المفترض أنْ يسمح لعباس بالإبقاء على الحكومة المعتزمة دون موافقةٍ برلمانية.

 

هذه السلسلة من الإجراءات أثارت العديد من النقاشات داخل الأوساط السياسية والقانونية في كلِّ الدوائر المعنيةِ بالأزمة الراهنة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سواءً في الداخل والخارج؛ وبالذات في المستوى العربي من الأزمة؛ فعلى حساسية الموقف لا يرغب أحد في التورُّط في موقفٍ سياسي غير مبني على أساسٍ توصيف قانونيٍّ ودستوريٍّ سليم ممَّا يجري في غزة حتى لا يكون هناك أي لوم، وبخاصة أنَّ حكومة الوحدة بقيادة حماس تملك الكثير من مفاتيح الشرعية القانونية والدستورية، وهو ما تحاول هذه الورقة التدقيق فيه.

 

توصيف الأزمة

بدايةً هناك توصيف جديد يمكن طرحه للأزمة الحالية في قطاع غزة؛ فالتوصيف السائد حاليًا- حتى داخل الأوساط المحايدة أو المتعاطفة مع حركةِ حماس- يتبنَّى منطلقات السلطة الوطنية الفلسطينية في شأنِ إعلان حالة الطوارئ بسبب وجود ما أُطلق عليه اسم "عصيان مسلح" في "إقليم متمرد"، ومن ثمَّ يحاول بعض المتعاطفين مع حماس أو المؤيدين لمشروعها الوطني الفلسطيني والإسلامي إيجاد مخرجٍ دستوري وقانوني للوضع في غزة، ولكن وطبقًا للمعلومات المتاحة في هذا فإنَّ حماس ليست في حاجةٍ إلى ذلك.

 

فوجهةِ النَّظرِ التي تطرحها هذه الورقة تضع ما فعلته حماس في إطاره الدستوري الصحيح الذي لا يجعل ما جرى جرمًا أو "عصيانًا مسلحًا"، وفق الحقائق التالية:

 

- حركة حماس هي الحزب الحاكم الفائز في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في يناير من العام 2006م.

 

- تبعًا لما جرى في الانتخابات فقد شكَّلت حماس الحكومة الأولى التي تلت الانتخابات، ثمَّ ترأست حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية.

 

ووفق ما جاء في القانون الأساسي الفلسطيني الصادر بتاريخ 29/5/2002م، والمعدل في العام 2003م؛ فإنَّ المادة (2) من الباب الأول منه تقول: "الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي"، وفي المادة (6) هناك تأكيد على أنَّ "مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص".

 

وبالنَّظرِ إلى الأوضاع التي سادت في غزة قبل الأزمة الأخيرة والإجراءات التي تبنتها حماس نجد الوضع التالي:

 

- قيام عناصر من الأمن الوقائي وحركة فتح وبعض المحسوبين على الأجهزة الأمنية والرئاسية الفلسطينية الأخرى بارتكاب جرائم مبرمجة ومستهدفة ضد عناصر من حركة حماس (الحزب الحاكم بالمفهوم القانوني العام).

 

- ارتكاب مجموعة من الجرائم ذات الطابع السياسي والعشائري مثل القتل والفساد المالي واستغلال النفوذ بشكلٍ هدَّد بالفعل الأمن والسلم الأهليَّيْن في قطاع غزة.

 

 الصورة غير متاحة

 مسلحو فتح أثاروا الذعر في الشارع الفلسطيني

 - وفق ما هو ثابت من خلال الوثائق التي عثرت عليها حركة حماس وكتائب الشهيد عز الدين القسام في المقار الأمنية التي تمَّت السيطرة عليها في قطاعِ غزة فإنَّ بعض مسئولي فتح والأمن الوقائي والمخابرات الفلسطينية لهم اتصالات غير قانونية مع الكيان الصهيوني، وتمَّ العثور على أجهزة حاسب مرتبطة بشبكة حاسب صهيونية مقرها حيفا داخل أحد هذه المقار.

 

بالإضافة إلى ذلك استمرت أجهزة السلطة الفلسطينية التابعة مُباشرة لمحمود عباس في ممارساتها داخل السجون والمعتقلات والمقار التابعة لها والتي تتناقض تمامًا مع أحكام الباب الثاني من القانون الأساسي، والذي جاء بعنوان "الحقوق والحريات العامة"، ويصدِّق ذلك الجثث السبع التي عثرت عليها كتائب القسام في مقر الأمن الوقائي بغزة بعد السيطرة عليه، وهي لأفراد من كتائب الشهيد عز الدين القسام.

 

ومن هنا اتخذت حركة حماس بصفتها الكتلة البرلمانية الأكبر والتي تتولى رئاسة الحكومة قرارًا بتغيير هذه الأوضاع التي تهدِّد بتحويل غزة إلى ساحةِ دماءٍ كبيرة، والأداة التي استخدمتها حماس في إجراءاتها الأخيرة في قطاع غزة كانت- بجانب كتائب الشهيد عز الدين القسام- القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية الفلسطينية.

 

والخلاف الذي ساد حول مدى دستورية القوة التنفيذية التي تمَّ تشكيلها من جانب وزير الداخلية السابق سعيد صيام لا محل له من الإعراب من جانب الطرف الآخر للأزمة؛ فالمادة (73) من القانون الأساسي الفلسطيني- وهي مادة تقع ضمن الفصل الثاني "مجلس الوزراء" من الباب الرابع من القانون الأساسي والخاص بـ"السلطة التنفيذية"- تمنح وزير الداخلية الفلسطيني أحقيَّة اتخاذ مثل هذا الإجراء ضمن الترتيبات العامة التي وضعتها هذه المادة لصلاحيات وزراء الحكومة بشكلٍ عامٍّ؛ فالمادة تنص على الآتي:

 

"يختص كل وزير في إطار وزارته على وجه الخصوص بما يأتي:

البند 1: اقتراح السياسة العامة لوزارته والإشراف على تنفيذها بعد إقرارها.

البند 2: الإشراف على سير العمل في وزارته وإصدار التعليمات اللازمة لذلك.

البند 3: تنفيذ الموازنة العامة ضمن الاعتمادات المقررة لوزارته.

البند 4: إعداد مشروعات القوانين الخاصة بوزارته وتقديمها لمجلس الوزراء.

البند 5: يجوز للوزير تفويض بعض سلطاته إلى وكيل الوزارة، أو غيره من موظفي الإدارة العليا في وزارته، في حدود القانون".

 

هذا هو ما نصَّت عليه هذه المادة المهمة من القانون الأساسي، وهو ما تدعَّمَت شرعيته بموافقة رئيس السلطة الفلسطينية على مرسوم تشكيل الحكومة للقوة التنفيذية؛ فطبقًا للمادة (55) من القانون الأساسي- وهي مادة تقع ضمن الفصل الأول "الرئيس" من الباب الرابع من القانون الأساسي والخاص بـ"السلطة التنفيذية"- فـ"رئيس السلطة الوطنية هو القائد الأعلى للقوات الفلسطينية"، وهي الموافقة التي عاد عباس وأنكرها.

 

وثيقة رسمية بموافقة السلطة على إدراج عناصر التنفيذية على جداول الرواتب

اضغط هنا للتكبير

 

وعندما يعترض البعض على مشاركة كتائب الشهيد عز الدين القسام في هذا الأمر، على اعتبار أنَّ الكتائب لا تملك حيثية قانونية أو دستورية، فيمكن الرد على ذلك بأنَّ الحكومة الفلسطينية لها الحق في أنْ تطلب دعم أي طرف لعلاج الحالة غير الدستورية السابق شرحها والمتعلقة بممارسات أجهزة أمن السلطة والرئاسة في غزة، مثلما لرئيس أي كيان سياسي الحق في طلب الاستعانة بقواتٍ أجنبية لفرض النظام والقانون في بلاده حال عجزه عن ذلك، وإلا فإنَّ إجراء عباس مثلاً بطلب قوَّةٍ دوليةٍ في غزة والذي كشف عنه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يكون هو الآخر غير قانوني.

 

بل إنَّ هذا هو الأساس القانوني الذي تستند إليه الأمم المتحدة في تثبيت وجود القوات الأجنبية في العراق والصومال وأفغانستان؛ لأنَّها جاءت بناءً على طلبِ من السلطات الرسمية الموجودة هناك، والفارق على الأقل أنَّ كتائب القسام عناصر فلسطينية وطنية وليست أجنبية، كما أنَّ السلطات في هذه الدول جاءت إلى كراسيها بالدعم العسكري الأجنبي ومن ثمَّ يجب أنْ توافق على وجوده وتمنحه مشروعية قانونية مفقودة بعكس حماس التي جاءت إلى مكانها هذا بانتخابات مباشرةٍ نزيهةٍ.

 

قرارات أبو مازن

هذا هو ما يخص إجراءات حماس الأخيرة في غزة، على الجانب الآخر تبنَّى أبو مازن سلسلةً من القرارات التي تتعلق بحلِّ حكومةِ الوحدة وتشكيل حكومة طوارئ بديلة، وتعليق عدد من مواد الدستور وخلافه، هذه القرارات مبدئيًّا غير دستورية؛ لأنَّ الأساس الذي استند إليه عباس في إعلان حال الطوارئ غير دستوري؛ باستثناء قرار حل الحكومة؛ فالبند الأول من المادة (101) في الباب السادس من القانون الأساسي "أحكام حالة الطوارئ" تقول إنَّ حال الطوارئ تُعلن "عند وجود تهديدٍ للأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح أو حدوث كارثة طبيعية يجوز إعلان حالة الطوارئ بمرسوم من رئيس السلطة الوطنية لمدة لا تزيد على ثلاثين يومًا"، وهذا البند لا يتضمن الإجراءات التي اتخذتها حماس في قطاعِ غزة.

 

 الصورة غير متاحة

عباس يتوسط عددًا من وزراء حكومة الطوارئ

 وعند التَّعلُّل بمسألة "العصيان المسلح" أو "إعلان غزة إقليمًا متمردًا" لا نجد أنَّها توصف على نحوٍ سليمٍ ما فعلته حماس؛ فقادة الحركة وعلى رأسهم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس أعلنوا بصراحةٍ ووضوحٍ أنَّ حماس لا تهدف إلى الانفصال بغزة أو إعلان دولة مستقلة فيها على اعتبار أنَّ "الوطن لا يتجزَّأ"، وحماس أكَّدت أنَّها ليست بصددِ أيَّةِ إجراءاتٍ تصعيدية أو المزيد من الإجراءات في القطاع.

 

كما أنَّ البند الثَّاني من المادة المشار إليها يقول إنَّه "يجوز تمديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يومًا أخرى بعد موافقة المجلس التشريعي الفلسطيني بأغلبية ثلثي أعضائه"، بينما يقول البند الرابع "يحق للمجلس التشريعي أنْ يُراجع الإجراءات والتدابير كلها أو بعضها التي اتخذت أثناء حالة الطوارئ، وذلك لدى أول اجتماعٍ للمجلس عقب إعلان حالة الطوارئ أو في جلسة التمديد أيهما أسبق، وإجراء الاستجواب اللازم بهذا الشأن".

 

كما تقول المادة (104) "لا يجوز حل المجلس التشريعي الفلسطيني أو تعطيله خلال فترة حالة الطوارئ أو تعليق أحكام هذا الباب"، وهو ما يعني أنَّ المجلس التشريعي الفلسطيني جزء أساسي لا يمكن استبعاده من ترتيبات حالة الطوارئ.

 

وبطبيعة الحال فإنَّ المجلس التشريعي الفلسطيني لن يستطيع ممارسة أدواره الدستورية هذه؛ على اعتبار أن الكيان الصهيوني باعتقاله العشرات من نواب حماس سيجعل من الصعب تحقيق النصاب القانوني وعقد جلسات لاتخاذ قرارات في هذا الشأن من جانب المجلس التشريعي؛ ممَّا يفرغ قرارات عباس من بعدها التشريعي، ومن أحقيَّة المواطن الفلسطيني في الرقابة على قرارات وإجراءات السلطة التنفيذية طبقًا للدستور أو القانون الأساسي.

 

فطبقًا للقاعدة القانونية بأنَّ ما ينطبق على الأصول ينطبق على الفروع؛ فإنه يمكن القول بأن استحالة انعقاد المجلس التشريعي للنَّظرِ في أمرٍ ما يفرض تأجيل أو إلغاء أي قرار يتطلَّب وجود المجلس التشريعي؛ لأنَّ ذلك يعني أنَّ هناك قرارًا ما يجب على المجلس التشريعي إقرارُه سيتم إقرارُه دون نظر المجلس، وهو أمرٌ غير دستوري، ولا يتفق مع القانون الأساسي الفلسطيني الذي يفرض ذلك.

 

 

وفي خصوص قرار أبو مازن بتشكيل حكومة طوارئ فهذه بدعة وتفتقر إلى أي أصلٍ قانونيٍّ أو دستوريٍّ لها، كما أنَّ إجراءاته الأخرى بتعليق مواد من القانون الأساسي؛ وهي المواد 65، 66، 67، وإصداره عددًا من المراسيم لتجاوز الحدود الدستورية لسلطاته كرئيسٍ للسلطة من أجل تشكيل حكومة الطوارئ، بما يسمح له الإبقاء على هذه الحكومة غير الشرعية دون موافقةٍ برلمانيةٍ فلا يوجد لها أي أساس في القانون الأساسي ولا يُوجد ما ينص عليها في أي قانون أو مرجعيَّة فلسطينية.

 

وحتى مع التسليم بانطباق الوضع الراهن في غزة على شروط إعلان حالة الطوارئ ومن ثمَّ حلِّ الحكومة فإنَّ حكومة الوحدة برئاسة هنية سيكون من حقها الاستمرار كحكومة تسيير أعمال.

 

ولكن- في النهاية- وبعد هذا العرض، وبالرغم من كلِّ ما سيق من أدلةٍ واعتباراتٍ، ومع تمسُّك كلِّ طرفٍ في هذه الأزمة بموقفه؛ فإنَّ المعركة الحالية في غزة سوف تكون معركةً سياسيةً ذات طابع قانوني ودستوري بحت بخلاف ما يبدو.

------------------

(*) باحث في العلوم السياسية