الآن وقد انتهت انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى وتم إعلان النتائج، سواءٌ بمعرفة اللجنة العليا للانتخابات أو وزارة الداخلية- لا فرق- وبدا واضحًا من إعلان النتائج أنه لم ينجح أحد في هذه الانتخابات إلا من أراد له الأمنُ أو الحزبُ أن ينجح، حتى هذا المقعد الذي حاز عليه ممثل حزب التجمع اليساري في الإسكندرية- والذي كان مفاجِئًا لجميع الأوساط السياسية، كما يقول الكثير من المراقبين- لم يكن ليتمَّ إلا بناءً على صفقة بين الحزبَين الوطني والتجمُّع، ويشهد بهذا كثيرٌ من أعضاء التجمع أنفسهم؛ حيث يرفضون هذه الصفقة وتوابعها، بل ومقدماتها.
أُعلنت النتائج، ونجح أو فاز أكثر من 80% من المرشحين دون إعادة، ولن تتم الإعادة إلا لحوالي 17 (سبعة عشر) مقعدًا، كلها تَنافُسٌ من داخل الحزب، أي أن الحزب الوطني هو الذي ينافس نفسه، وهو اللاعب الوحيد في الملعب، وهو الحكم، وهو المذيع، وهو المدرّب، وهو كل شيء في أي شيء، وبالتالي فإن هذه الانتخابات كما يقولون لا طعمَ لها ولا لونَ ولا رائحة.
صحيحٌ أن كثيرًا من المراقبين لم يكن يتوقع لهذه الانتخابات أن تسير وفق المعايير المعقولة من الشفافية والنزاهة والحيدة والنظافة، ولكن ما تم يوم الانتخابات فاقَ كلَّ تصوُّر، وأحبَط كلَّ أمل، وحطَّم كلَّ تطلُّع إلى مستقبل مشرق لهذه الأمة؛ ولذلك فلا عجَبَ أن يُطلق البعض على ما تمَّ من عسف وغشم وبلطجة أنه يوم حزين!! وما أكثر الأيام الحزينة في حياتنا نحن المهمومين بحال الإسلام والمسلمين عمومًا، وحال وطننا العزيز الغالي مصر!!
ما زلنا غيرَ آمنين في بيوتنا، ولا آمنين على أولادنا وأعمالنا وأموالنا، ونعمة الأمن من النعم العظيمة التي يمتنُّ بها الله عز وجل على كل الناس: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قريش)، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حديثه الشريف يذكر: "مَن بات آمنًا في بيته، معافًا في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا"، وهنا نجد أن اطمئنان الإنسان في بيته بغير تهديد ولا وعيد، وبغير إغارة زوَّار الفجر عليه وهو نائم مع أهله وأولاده.. هذا الاطمئنان النفسي والقلبي مهمٌّ جدًّا في الحياة الطبيعية للبشر عمومًا، وهذا يجرُّنا إلى أن إحساس الناس بالأمن والأمان مسألة مهمة في استقرار أوضاع البشر، وارتقاء شئونهم وتأهيلهم ليكونوا لَبِنَاتٍ صالحةً متينةً في بناء راسخ للأمة.
إن كمَّ العنف أو التهديد به الذي بدا يوم الانتخاب وما قبله بأيامٍ فاقَ كلَّ تصوُّر، وأصبح التوجُّه إلى صندوق الانتخاب محفوفًا بالمخاطر، فكل لجنة انتخابية أو مقر لمجموعة لجان كان يمثِّل ثكنةً عسكريةً، جنودها مدجَّجون بالسلاح والعتاد، على أهبَّة الاستعداد للانقضاض على أية فريسة في أي وقت.
وهذه القوات الأمنية المسلَّحة لها مهام كثيرة، منها إخافة الناس حتى لا يتجرَّأ أحدٌ على الدخول للإدلاء بصوته، وإرهاب من تسوِّل له نفسه في المزاحمة أو المدافعة للتصويت للمعارضة، وخاصةً مرشحي الإخوان، وفضلاً عن ذلك فإن هذا الجوّ الرهيب المخيف من شأنه حماية مجموعة المزوِّرين في داخل كل لجنة ليقوموا بدورهم المنوط بهم، وهو عملية التزوير والتسويد و"تستيف" الأوراق والمحاضر، في مأمن من عيون المعارضين وشباب الإخوان، ولذلك سمعنا عباراتٍ كثيرةً من حرَّاس العملية الانتخابية: "لماذا تحرصون على الدخول.. اذهبوا.. أو ارجعوا، فقد قُمنا بالواجب بدلاً منكم..!! أو أن يقسم أحدهم "بالطلاق" أنه لن يدخل أحد- مهما كان- هذه اللجنة.. عيب يا ناس..!! أنتم عاوزين زوجتي تطَّلق؟!!
وهذا الأسلوب تم في كل لجان الانتخابات في كل القطر المصري.. صحيح أن الإخوان نالوا القسط الأوفر من التزوير والتزييف في حقهم، وكانت النية المبيَّتة أو الخطة الموضوعة والمتفق عليها هي المنع الكامل للتصويت الحرّ لصالح مرشح الإخوان؛ بحيث إنه لا يُسمح بالدخول- إن كان هناك دخول- إلا لمن يحمل بطاقة الحزب الوطني ذات اللون المعين والرمز المعين.
هل من المعقول أن انتخابات مجلس الشعب التي تمَّت في 2005م- أي منذ عام ونصف العام، والتي أفرزت مجلسًا يُشكِّل الإخوان فيه 20% من مجموع مقاعده- أن ينقلب الوضع رأسًا على عقب، ولا يستطيع أحدٌ من مرشحي الإخوان في انتخابات مجلس الشورى الأخيرة أن يحصل على مقعدٍ واحد؟!!
الشيء الوحيد الذي يُعزَى إليه هذا التغيير المفاجئ في النتائج ونِسَبها هو إزاحة رقابة رجال القضاء من طريق هذه الانتخابات بالدستور؛ إذ إنه في انتخابات 2005م لمجلس الشعب اشتدَّت أعمال البلطجة والعنف والقسوة، حتى إنَّ عدد القتلى بلغ 16 شهيدًا، راحوا ضحية العنف والبلطجة والمنع من الاقتراب من لجان الانتخابات، ومع ذلك.. ومع كل هذه الممارسات العنيفة إلا أن صناديق الأصوات ظلَّت بمنأى عن الغش أو العبث أو التزوير أو التسويد.
فكانت النتائج- كما رأينا- سقوطًا مدوِّيًا للحزب الوطني ورموزه الكبيرة والبارزة، حتى إن نسبة نجاح هذا الحزب أو مقاعده مثَّلت 32% من المقاعد؛ مما أحدث ارتباكًا شديدًا في دوائر الحزب، وظلَّ يتسوَّل مقاعد المستقلين بأي شكلٍ وبأي ثمن؛ حتى يستكمل نصاب الأغلبية في المجلس؛ الأمر الذي يمكنه من تمرير كافة القوانين والتعديلات الدستورية التي تخدم المصلحة الرئيسية للحزب ورجاله المتربِّعين على عرش السلطة، ولا ينعكس بالضرورة على مصلحة مصر، وحق أهلها في إصلاحٍ سياسي، يكسر القيود والأغلال، ويفكّ الاحتقان السياسي، ويُتيح قدْرًا كبيرًا من الحريات العامة، ويحقق كرامة المواطن وحقه في العيش الكريم الآمن على يومه وغده.
ولعل أهم دروس هذه الانتخابات تمثَّلَ في:
1- أن مشاركة الناس- وخاصةً الشباب منهم- في هذه الانتخابات ترشيحًا وإعدادًا وفكرًا وأداءً له الأهمية البالغة، وهو خطوةٌ على طريق الإيجابية ومقاومة مظاهر القعود والخنوع والضعف النفسي، مهما بدت المشاركة مكلِّفةً، وثمنُها باهظًا نفسيًّا وماديًّا.
2- أن سلبيات الديمقراطية.. مهما بدت كأنها كابوسٌ يجرُّنا إلى عهود الظلام والاستبداد الأسود، ومهما شابها من تزوير وبطلجة وأعمال يندى لها جبين الأحرار.. مهما كانت هذه السلبيات فإنها لا تصيب النفوس- بإذن الله- بالإحباط أو القنوط أو اليأس، فالباطل إلى زوال، وهو كما ذكر القرآن زهوق ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81)، وطبيعة دعوة الإسلام تتجه للإصلاح ومحاربة الفساد، وما أظن أن مَن يحب دعوته ويلتصق بها يمكنه أن يتخلى عن هذه المهمة العظيمة.. مهمة الإصلاح ومقارعة الفساد أينما كان وحيثما حلّ "بالوسائل السياسية والقانونية".
3- والإنسان الحر إن لم ينشغل بالحق وبالعمل الدائب لنصرة الله وإعلاء أمره في واقع الحياة.. فمن المؤكد أنه سينشغل بالباطل، يصفِّق لهذا ويهلِّل لذاك.. المهم.. ينافق ويداهن ويتملَّق ويكذب، ويغشّ ويزوِّر، ويكون سوط عذاب ونقمة على عباد الله الصالحين، وفي النهاية لن يحصِّل إلا الخيبة والخسران وعاقبة السوء في الدنيا والآخرة، فهنيئًا لمَن تصدَّى للباطل مهما كلَّفه ذلك من متاعب، فكلها تهون متى كان الله راضيًا.
4- ولا أحسب أحدًا من المنافقين يستطيع أن يدَّعي أن ما تمَّ في هذه الانتخابات يمثِّل النزاهة والشفافية وإقبال الجماهير الجارف على صناديق الانتخابات، وأن ذلك قمة الديمقراطية، وغير ذلك من الدعاوى الكاذبة والشعارات الجوفاء، فلقد انكشف المستور وسقطت الأقنعة.
5- إن ما كسبه الشباب أثناء خوض هذه المعارك الانتخابية.. رغم شدة المأساة، وقسوة المطاردة، وعنف المواجهة من طرف واحد؛ وهو الأمن بالطبع.. كل ذلك لا يُضعف الإرادة ولا ينال من العزيمة، ولا يحطِّم النفوس الأبيَّة التي ارتبطت أصلاً بالله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.. المطَّلع على أعمال خلقه.
وكلمة أخيرة..
لقد جرى القبض على أعداد كبيرة من الإخوان على خلفية انتخابات الشورى، جاوزَ عددهم الألف، وفي الجيزة وحدها 250 منهم، بعضهم حقَّقت معه النيابة، وهم الذين يجري الآن إخلاءُ سبيلهم تباعًا، والكثير منهم لم يعرَضوا على النيابة، وكلامنا عن هؤلاء وهم يُعدُّون بالمئات، ومن الجيزة وحدها 90 (تسعون) منهم، فهل يُترَكون هكذا في دوَّامة الاعتقال وإجراءاته المملَّة، وكل ذلك ظلمٌ لا يرضى عنه الله؟!
أعتقد أن فطنة رجال الأمن تُحتِّم عليهم الإفراج عن المعتقلين اليوم قبل غد إذا كانوا حريصين على سمعة مصر وطيّ صفحة انتخابات الشورى بما لها وما عليها.
والله من وراء القصد..