أعلن رئيس الحكومة البريطانية توني بلير اليوم الخميس 10/5/2007م تنحيه عن زعامة حزب العمال على أن يستقيل من رئاسة الحكومة في 27 يونيو القادم بعد أن يختار حزب العمال خليفةً له في زعامة الحزب.
وقال بلير- في كلمةٍ أمام عدد من أنصار الحزب في بلدة سيدجفيلد بشمال شرقي إنجلترا- إنه غير نادم على ما اتخذه من قرارات أثناء فترة حكمه؛ حيث فعل ما اعتقد أنه صوابٌ وفي مصلحة بلاده.
وأخذ بلير في تعداد الإنجازات التي حققتها الحكومات التي قادها خلال 10 سنوات اعتبارًا من العام 1997م فأشار إلى أن الحكومة حققت إنجازاتٍ كبيرة في الخدمات العامة وتوفير الوظائف والنمو الاقتصادي لم تتحقق منذ العام 1945م، مؤكدًا أن بلاده لم تكن لتفوز بحق تنظيم أوليمبياد العام 2008م لولا أدائها الاقتصادي الجيد.
وأضاف بلير أنه لا توجد أية حكومة منذ ذلك التاريخ يمكنها أن تقول إنها حققت إنجازات تفوق الإنجازات التي حققها هو خلال توليه منصب رئاسة الحكومة، مشيرًا إلى أنه دخل رئاسة الحكومة "وهو يحمل آمالاً عريضة وخرج وهو يرى آمالاً كبيرةً يمكن أن تتحقق".
وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، زعم توني بلير إنه يترك بريطانيا "وهي قائدة وزعيمة وليست تابعة"، مؤكدًا أنه قرر الوقوف بجوار "الحليف الطبيعي" في أفغانستان والعراق؛ وذلك في رده على الانتقادات التي تلقاها طيلة فترة حكمه بسبب تحالفه المبالغ فيه مع الولايات المتحدة سواء مع الرئيس السابق بيل كلينتون والحالي جورج بوش الابن.
ويأتي إعلان بلير تنحيه عن زعامة الحزب واتجاهه إلى التخلي عن رئاسة الحكومة بعدما ينتخب حزب العمال زعيمًا جديدًا له لتغلق واحد من أكثر الملفات التي شغلت البريطانيين في الفترة الأخيرة بعدما تصاعدت الدعوات باستقالة بلير- سواء من داخل حزبه أو من خارجه- بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها حكومته داخليًّا وخارجيًّا وبخاصة فيما يتعلق بالحرب على العراق التي احتلت الصدارة في قائمة أسباب خروج بلير من رئاسة الحكومة.
مأزق العراق
وكان توني بلير قد واجه انتقادات حادة منذ أكثر من عام بسبب أسلوب تعامله مع الأزمة العراقية، وقد تركزت تلك الانتقادات على محورين الأول هو الدخول في الحرب على العراق دون الاستناد إلى الشرعية الدولية من خلال الاعتماد على معلومات قدمتها المخابرات الأمريكية، وهي المعلومات التي ثبت عدم صحتها فيما بعد مما زاد من حرج موقف بلير.
وكان المحور الثاني هو ربط بلير السياسة الخارجية لبلاده بالسياسة الأمريكية؛ حيث عقد تحالفًا إستراتيجيًّا مع الولايات المتحدة قاده ذلك التحالف إلى تبني سياسات لا تتلاءم مع المصالح البريطانية الإستراتيجية بخاصة في العالم العربي، وفي مقدمة تلك السياسات المشاركة في غزو العراق في العام 2003م.
فقد أدَّت مشاركة البريطانيين في الحرب على العراق إلى دخول الجيش البريطاني في حربين في وقتٍ واحدٍ في العراق وأفغانستان؛ وهو الأمر الذي أكد الكثير من الخبراء الإستراتيجيين أن الجيش البريطاني غير قادر عليه، وقد وضحت نتائج ذلك على الأرض؛ حيث فقد الجيش البريطاني بمرور الوقت قدرته على الصمود في كلا الجبهتين ففشل في التصدي لقوات حركة طالبان التي حققت انتصارات كبيرة في معارك الجنوب ضد البريطانيين خلال الأشهر الأخيرة، بينما سقط في العراق العديد من الجنود البريطانيين خلال العام الماضي؛ مما أوصل العدد الإجمالي للجنود البريطانيين في العراق إلى 145 قتيلاً.
وقام بلير في مطلع العام الحالي بتحديد جدول زمني لسحب أغلب القوات البريطانية من العراق بحلول نهاية العام الحالي؛ وذلك استجابةً للضغوط الشعبية التي تفاعلت بعدما أصبحت بريطانيا هدفًا للعديد من خطط الجماعات المسلحة والتي كان أكبرها سلسلة التفجيرات التي وقعت في وسائل مواصلات العاصمة لندن في 7 يوليو من العام 2005م، فيما عُرِفَ بعد ذلك تفجيرات 7"/7".
وإلى جانب الخسائر الميدانية والأمنية للبريطانيين في الحرب على العراق، فقد أدَّى تزايد الخسائر البشرية البريطانية في كلٍّ من العراق وأفغانستان إلى تحميل بعض القوى الشعبية البريطانية المسئولية الكاملة عن دماء الجنود القتلى لتوني بلير إلى الدرجة التي جلعت ذوي بعض القتلى البريطانيين يقولون إنهم "يستطيعون فهم دوافع من يقتلون أولادهم"، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة الحرب على العراق لتتجاوز الـ6 مليارات دولار كتكلفة أولية للحرب، ويقول المحللون إن العراق ستكون "التركة الأكثر سوءًا" التي يتركها بلير لمَن سيأتي خلفه.
جوردون براون
ومن المقرر أن يجتمع الحزب يوم الإثنين لكي يحدد جدول الانتخابات، ومن المقرر أن تعلن نتائج انتخابات زعامة حزب العمال في 23 يونيو القادم على أن يستقيل بلير من منصبه في 27 يونيو ليفسح الطريق أمام الزعيم الجديد للحزب لكي يتولى منصب رئاسة الحكومة، ويعتبر وزير الخزانة جوردون براون هو المرشح الأقرب لخلافة بلير، ومن المتوقع أن يبدأ حملته في انتخابات الحزب غدًا.
ويُعْرَف براون بدفاعه عن العدالة الاجتماعية ولا يحظى بقبول واسع لدى الأمريكيين؛ لأنهم "يتشككون في نواياه الاشتراكية"، وبالتالي فإن المراقبين يتوقعون منه أن يتشدد في التعامل مع الأمريكيين بدلاً من سياسة التحالف التي كان يتبناها بلير وفيما يتعلق بالعراق فإن البعض يرى أن براون لن يحدث الكثير من التغييرات إلا أنه يرفض الربط بين الحرب على العراق والحرب على ما تسميه الولايات المتحدة "الإرهاب"؛ حيث يعتبر أن كلا الأمرين قضية منفصلة.