بقلم / إبراهيم جابر
ما أعجب هذه السورة! وما أروع هذا الخطاب الإلهي الذي يأخذ بيد الإنسان، فيطوف به بين السماء والأرض، وبين الخلق والرزق، وبين الحياة والموت، وبين الدنيا والآخرة، ثم يقف به أمام سؤال لا يملك القلب المؤمن إلا أن يجيب عنه خاشعا:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
تبدأ السورة بكلمة واحدة تهز أعماق القلب: ﴿الرَّحْمَٰنُ﴾.
وكأن الله سبحانه يريد أن يعرفنا بنفسه قبل أن يعرفنا بنعمه، وأن يعلمنا أن هذا الوجود كله، وما فيه من خلق وتدبير وهداية ورزق، إنما هو من آثار رحمته.
ثم تأتي المفاجأة العظيمة:
﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
لماذا قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان؟
لأن نعمة الهداية أعظم من نعمة الوجود، فالوجود يمنح الإنسان الحياة، أما القرآن فيمنح حياته معناها وغايتها وطريقها إلى الله.
وما قيمة حياة يملك صاحبها كل أسباب العيش، ولكنه يجهل لماذا يعيش، وإلى أين يسير، ولمن يعمل؟
ثم خلق الإنسان، ولم يتركه عاجزا عن التعبير، بل علمه البيان، ليعبر عن حاجاته، ويدرك المعاني، ويتواصل مع غيره، ويميز بين الحق والباطل.
وهنا تبرز مسؤولية عظيمة: فاللسان الذي وهبه الرحمن للإنسان ينبغي أن يكون أداة للحق والإصلاح وجمع القلوب، لا وسيلة للظلم والتجريح وإشعال الخصومات.
ومن شكر نعمة البيان أن نحسن استعمالها، لا أن نجعلها سلاحا نهدم به ما أمر الله أن يبنى.
ثم يأخذنا القرآن إلى آفاق الكون:
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾.
كل شيء يجري بحساب، وكل مخلوق خاضع لأمر الله، فلا فوضى في حركة الشمس والقمر، ولا تمرد على سنن الخالق.
وهنا يقف الإنسان أمام درس تربوي عظيم:
إذا كان الكون كله ينتظم وفق أمر الله، فكيف يرضى المؤمن أن تكون حياته بلا ضابط، أو تكون حركته بلا منهج، أو تحكم علاقاته الأهواء والخصومات؟
ثم ينتقل السياق انتقالا بديعا من نظام الكون إلى نظام الحياة الإنسانية:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾.
يا لها من روعة!
ذكر رفع السماء، ثم قرن بها وضع الميزان، وكأن السياق يربط بين إحكام نظام الكون ووجوب إقامة العدل في حياة البشر.
فليس الميزان مجرد أداة توزن بها السلع، بل هو أيضا صورة للعدل الذي ينبغي أن تستقيم به العلاقات والحقوق.
وهنا تتجلى رسالة تربوية بالغة الأهمية:
كما لا يستقيم الكون بالفوضى، لا تستقيم الجماعات والمؤسسات والمجتمعات بالظلم.
ولا يجوز أن نطالب الناس بالعدل ثم نكيل لهم بمكيالين، فنلتمس الأعذار لمن نحب، ونضخم أخطاء من نختلف معهم، أو نجعل المكانة والسابقة حصانة من المحاسبة.
فالعدل من آلاء الرحمن، وشكره أن نقيمه حتى على أنفسنا، وأن نجمع بين المحاسبة والرحمة، وبين حفظ الحقوق وحفظ الفضل.
ثم تنزل بنا الآيات من آفاق السماء إلى الأرض التي نعيش عليها:
﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾.
تأمل هذا التفصيل العجيب!
فاكهة يتلذذ بها الإنسان، ونخل يحمل رزقه في أكمام تحفظ ثمره، وحبوب تقوم عليها معيشته، ونبات ينتفع به الإنسان والأنعام، وريحان تبتهج به النفوس، على أحد معاني التفسير.
لم يخلق الله للإنسان ما يسد جوعه فحسب، بل أودع الأرض ما يبهج عينه، ويسر نفسه، ويطيب له الحياة.
فالرحمن لم يرد للإنسان مجرد البقاء، بل أحاط حياته بألوان من الرحمة والجمال والامتنان.
وبعد هذا العرض المهيب، يأتي السؤال الأول:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
ثم يتكرر إحدى وثلاثين مرة!
وليس التكرار هنا إعادة للمعنى نفسه دون فائدة، بل كل سؤال يأتي بعد مشهد جديد، وكأن النعمة التي عرضت تطلب من الإنسان موقفا جديدا من الاعتراف والشكر.
والأعجب أن السؤال لا يتوقف عند نعم الحياة والرزق، بل يتردد حتى مع الحديث عن الفناء والحساب والعذاب؛ لأن التحذير من المصير، وإقامة الحجة، وفتح باب الرجوع إلى الله، كلها من وجوه الرحمة بالعباد.
ثم تعرض السورة نعيم الجنة وما أعده الرحمن لعباده المتقين، حتى يدرك الإنسان أن رحمة الله لا تنتهي بانتهاء الدنيا.
وهنا ندرك أن آلاء الرحمن ليست ما يمنحنا الراحة فحسب، بل منها ما يوقظ ضمائرنا، ويردعنا عن الظلم، ويهدينا إلى النجاة.
وما أحوج العاملين للإسلام أن يعيشوا هذه المعاني في واقعهم!
فشكر نعمة القرآن أن نجعله حاكما على سلوكنا، لا مجرد آيات نتلوها.
وشكر نعمة البيان أن نحفظ ألسنتنا ونصلح ذات بيننا.
وشكر نعمة الميزان أن ننصف إخواننا، ونعدل في أحكامنا، ولا نجعل اختلافنا سببا للجور.
وشكر نعمة الأرض والرزق أن نبذل من فضل الله، وألا نستأثر بالخير وننسى المحتاجين.
فالدعوة التي تحمل اسم الرحمن ينبغي أن تظهر فيها آثار رحمته، والحركة التي ترفع راية القرآن ينبغي أن يظهر فيها عدله وأخلاقه.
وما أجمل أن نختم بهذه الوقفة!
إن أعظم ما يخشى على الإنسان ليس أن يفقد النعمة، بل أن يألفها حتى ينسى المنعم، وأن يعتاد فضل الله حتى يغيب عنه واجب الشكر.
نستيقظ بنعمته، ونتحرك بعافيته، ونتكلم بفضله، ونأكل من رزقه، ونعيش في أرضه، ونستظل بسمائه، ثم قد نقصر في حقه، أو نظلم بعضنا بعضا ونحن نتقلب في آلائه!
فيا أيها القلب، كلما سمعت هذا النداء يتكرر، لا تمر عليه مرور الغافلين، بل اجعل كل مرة منه وقفة للمحاسبة وتجديد العهد مع الله.
فليس المطلوب أن نجيب بألسنتنا فقط: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد؛ بل أن تشهد أعمالنا بصدق هذه الإجابة.
اللهم كما أحطتنا بآلاء رحمتك، فأعنا على شكرها، وكما علمتنا القرآن، فأعنا على العمل به، وكما وضعت الميزان، فأقم العدل في قلوبنا وأقوالنا وأعمالنا.
واجعلنا ممن يعرفون نعمك فيشكرون، ويعرفون حقك فيطيعون، ويحملون رحمتك إلى خلقك، حتى تكون حياتهم كلها جوابا عمليا عن سؤالك العظيم:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.