لم تقتصر حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة على قتل الفلسطينيين وتدمير منازلهم ومؤسساتهم، بل امتدت إلى الصحفيين الذين يوثقون ما يجري، والبنية التحتية الإعلامية التي تنقل صورته إلى العالم، وسط اتهامات دولية للاحتلال بتقييد التغطية الصحفية والتلاعب بالأخبار، ومطالبات بمحاسبة المسئولين عن قتل الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التي أسهمت في حجب الحقيقة.
وتزامنت هذه الاتهامات مع توجه الناخبين الصهاينة، الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع في انتخابات الكنيست، في وقت اتهمت فيه منظمة «مراسلون بلا حدود» رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بتقويض استقلالية الصحافة خلال ولايته الأخيرة، فيما حذرت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي من أن التضليل الإعلامي وتهميش أصوات الضحايا قد يسهمان في التغطية على الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
200 صحفي استشهدوا في غزة
وفي بيان حدّثته عشية انتخابات الكنيست الصهيوني، دعت منظمة «مراسلون بلا حدود» إلى تحقيق العدالة للصحفيين الفلسطينيين الذين استشهدوا بسبب عملهم.
وقالت المنظمة إن سياسات نتنياهو منذ عودته إلى رئاسة الحكومة أواخر عام 2022 استهدفت أسس العمل الصحفي وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، من خلال استهداف وسائل الإعلام المنتقدة، وتقييد الصحافة الأجنبية، وتشويه سمعة الصحفيين المعارضين لسياسات حكومته.
ووفق توثيق المنظمة، قتل جيش الاحتلال الصهيوني أكثر من 200 صحفي في قطاع غزة خلال ثلاث سنوات، بينهم 67 استشهدوا بسبب عملهم الصحفي. كما لفتت إلى تصاعد الاعتداءات على الصحفيين في الضفة الغربية، مستشهدة بالاعتداء على مصورة صحيفة «واشنطن بوست» هايدي ليفين في 16 أكتوبر الجاري.
ورصدت المنظمة نهجاً وصفته بأنه «ترامبي»، يقوم على مهاجمة الصحفيين المنتقدين وتفضيل وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة، مستشهدة بمقطع مولّد بالذكاء الاصطناعي نشره نتنياهو في يوليو الماضي، ظهر فيه مرتدياً معطف طبيب ويصف علاجاً لما سماه «الأخبار الزائفة»، بينما صُوّر الصحفيان بن كاسبيت ورافيف دروكر في دور المريضين، في سياق هجماته المتكررة على القناتين 12 و13.
استهداف الشهود وتدمير البنية الإعلامية
وفي إحاطة أمام الأمم المتحدة، عرضت المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي نتائج تقريرها «الحقيقة تحت الأنقاض.. وسائل الإعلام في زمن الإبادة الجماعية»، الذي تناول انتهاكات الاحتلال بحق الصحفيين الفلسطينيين منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
وفي مداخلة لقناة الجزيرة اتهمت ألبانيزي الاحتلال الصهيوني بالتلاعب بالأخبار وتقديم صورة مغايرة لما يجري على الأرض، مشيرة إلى أن استهداف الصحفيين وعائلاتهم وتدمير البنية التحتية الإعلامية شكّل، وفق ما عرضته، جزءاً من محاولات التخلص من الشهود وإخفاء الأدلة.
وذكرت أن عدد الصحفيين الذين قتلهم جيش الاحتلال في غزة بلغ 300، بينهم 70 استشهدوا لأسباب انتقامية مرتبطة بعملهم، مضيفة أن 710 أشخاص من عائلات الصحفيين قتلوا، وأن 80% من البنية التحتية الإعلامية في القطاع دُمّرت.
كما قالت إن الاحتلال شدد القيود على التغطية الصحفية، ومنعت نشر أخبار وتغطية أحداث معينة، وحظرت أو تلاعبت بعشرات آلاف الأخبار، بمعدل 21 خبراً يومياً، وفق ما ورد في تصريحاتها.
اتهامات للإعلام الغربي بالتغطية على الجرائم
ووجهت ألبانيزي انتقادات لوسائل إعلام دولية، بينها «بي بي سي» و«نيويورك تايمز» و«سي إن إن»، متهمة إياها بتهميش أصوات الضحايا وتقديم رواية الاحتلال على حساب الحقائق المتعلقة بالجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وشددت على أن إخفاء الحقيقة أو التقليل من معاناة الضحايا، مع التركيز على رواية الأطراف المتهمة بارتكاب الجرائم، قد يرقى إلى المشاركة في التغطية عليها، داعية إلى التحقيق في أداء المؤسسات الإعلامية ومساءلة المسئولين عن أي دور في حجب المعلومات.
وأكدت أن غياب الإرادة الدولية يمثل أحد أبرز أسباب استمرار الإفلات من العقاب، برغم توافر الأدلة، مشيرة إلى أن المحاسبة تظل ممكنة، وأن تجارب المحاكم الدولية في قضايا رواندا ويوغسلافيا السابقة أظهرت إمكانية إدانة وسائل إعلام بتهمة المشاركة في الجرائم.
كتاب يوثق شهادات الصحفيين الفلسطينيين
وفي سياق توثيق ما تعرض له الصحفيون الفلسطينيون، تناولت مجلة «بلايند» الفرنسية كتابها الجديد «الصحافة ليست جريمة»، الذي يجمع أعمال 60 صحفياً ومصوراً فلسطينياً وثّقوا الحرب على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2025، ويخلد ذكرى 20 صحفياً استشهدوا من خلال صورهم ورسائلهم الأخيرة ووصاياهم ومنشوراتهم.
وأوضحت المجلة أن حظر دخول وسائل الإعلام الدولية إلى القطاع جعل الصحفيين المحليين يتحملون العبء الأكبر في توثيق الدمار والانتهاكات، برغم النزوح وفقدان المنازل والأقارب وشح الطعام، والمخاطر التي هددت حياتهم بصورة مستمرة.
ونقلت عن محررة الصور سارة لين قولها إن الخسائر في أرواح الصحفيين مروعة وتستوجب الاعتراف بها، مشيرة إلى أن إعداد الكتاب واجه صعوبات كبيرة بسبب تدمير منازل الشهداء وأجهزتهم، وضعف الإنترنت وفقدان الصور الأصلية، ما اضطر القائمين عليه إلى استخدام لقطات شاشة بوصفها النسخ الوحيدة المتبقية من بعض الأعمال.
وحذرت المجلة من أن عدم اتخاذ موقف واضح ضد قتل الصحفيين يهدد بتحويل استهدافهم إلى أمر معتاد في غزة ومناطق النزاع الأخرى، مؤكدة أن حرمان الصحفيين من العمل بأمان يحرم العالم من الوصول إلى الحقيقة، ويجعل توثيق الجرائم ومحاسبة مرتكبيها أكثر صعوبة.