كثيرًا ما تُبنى برامج التربية على تكثيف المعلومات أو الأنشطة والتكاليف، ثم نُفاجأ بمن يفتر بعد حماسة، أو ينحرف بعد استقامة، أو يغلو حتى يُتعب نفسه ومن حوله. ويرى الأستاذ سعيد حوّى أن السبب في كثير من هذه الحالات هو إغفال نقطة البداية الصحيحة: إصلاح القلب.
الإيمان قبل القرآن
كان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: «كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن». وسرّ ذلك أن القرآن لا يؤتي ثمرته إلا في قلب مؤمن. فالسورة الواحدة تزيد المؤمنين إيمانًا، وتزيد من في قلوبهم مرض رجسًا إلى رجسهم. ومن أراد أن يلامس القرآن القلب ملامسة صحيحة، فعليه أن يداوي هذا القلب أولًا حتى يصير مؤمنًا خالص الإيمان.
ولا يعني الاهتمام بالقلب إهمال العقل. فالعلم والمعرفة من أعظم أدوات إصلاح القلب، تسير جنبًا إلى جنب مع الذكر والعمل.
الهجمة المعاكسة
من الظواهر اللافتة في سيرة الصحابة أن أحدهم كان يبدأ إسلامه باندفاع شديد، حتى كان النبي ﷺ يردّ بعضهم إلى الاعتدال. وهذه الحال تتكرر مع كل من يقبل على الله بصدق. لكن هذا الإقبال تعقبه عادة هجمة معاكسة من الشيطان، تحدث عنها القرآن في سورة الحج حين بيّن أن ما يلقيه الشيطان يكون فتنة ﴿للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم﴾، بينما يزداد به أهل العلم إيمانًا وخشوعًا: ﴿وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم﴾.
ففي هذه اللحظة الفاصلة يسقط أصحاب القلوب المريضة والقاسية، ويثبت أصحاب القلوب السليمة. والمربي الذي لا يتوقع هذه المرحلة ولا يحسن التعامل معها يعرّض من يربيهم للانقطاع أو الانحراف. وهذا ما يوضحه حديث عرض الفتن على القلوب «كالحصير عودًا عودًا»، حتى تصير القلوب قلبين: أبيض لا تضره فتنة، وأسود لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.
حين يفشل إصلاح القلب
غياب القلب السليم يُخرج نماذج مضطربة من البشر. منها الغلاة الذين وصفهم الحديث بأنهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، أي لم يبلغ قلوبهم. ومنها الفسّاق والمنافقون، وقد يكونون من أبناء المسلمين. فحيث لا قلب سليم لا تنفع موعظة ولا يؤثر تذكير، والنجاة يوم القيامة معلقة به: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾.
قلب يقود أو قلب يُقاد
الإنسان أمام حالين. إما أن يكون قلبه ضعيفًا أو مريضًا أو قاسيًا، فتقوده الشهوات والكبر والحسد ومغريات الدنيا ووساوس شياطين الإنس والجن. وإما أن يصلح قلبه فيصير هو الموجّه لسلوكه على ضوء شرع الله، متحررًا من الوساوس ومن أسر الشهوات. والفرق بين الحالين هو الفرق بين الاستقامة والضياع.
زاد البداية
لهذا كانت للأوراد والأذكار والخلوة والتعبد أهمية خاصة في أول الطريق. فقد تعبّد النبي ﷺ في غار حراء قبل الوحي، وواعد الله موسى عليه السلام أربعين ليلة، وأُمر النبي ﷺ وأصحابه بقيام الليل في بداية الدعوة تمهيدًا لتلقي ﴿قولًا ثقيلًا﴾.
ونحن نقترح تدرجًا عمليًا يبدأ بملازمة الاستغفار حتى يجلو صدأ الذنوب عن القلب، ثم الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ لأنها سبيل إلى نور القلب، ثم الإكثار من «لا إله إلا الله» التي جعلها النبي ﷺ تجديدًا للإيمان، ثم الإقبال على تلاوة القرآن وتدبره فهو ﴿شفاء لما في الصدور﴾. ويصاحب ذلك ورد يومي معتدل، وشيء من قيام الليل، والمحافظة على الجماعة والسنن. ولا يحدد المؤلف أعدادًا ملزمة، لأن حاجات القلوب تتفاوت، ويترك الأمر لفراسة المربي وإحساس المريد، مستحضرًا حكمة ابن عطاء الله: «من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة».
لا تعارض مع الواجبات الأولى
يؤكد المؤلف أن الحديث عن أولوية القلب لا يُلغي الواجب الأول، وهو معرفة الله معرفة عقلية، ثم القيام بـ«واجب الوقت». فمن أسلم وقت الظهر فواجبه أن يتعلم الطهارة والصلاة، ومن أسلم في رمضان فواجبه الإمساك بقية يومه. ومن خلال هذه المعرفة وهذه الواجبات تصل الأنوار إلى القلب وتبدأ رحلة إصلاحه.
الخلاصة
التربية التي لا تبلغ القلب تبني ظاهرًا هشًّا سرعان ما يتصدع أمام أول فتنة. أما التربية التي تبدأ بالقلب حتى يبلغ السلامة، فهي التي تخرّج المسلم الثابت على أمر الله، المنتفع بكتابه، القادر على