د. إيمان سفيان

خلق الله الإنسان واستأمنه على هذا الكون فاستخلفه عليه ليعمره بالعبادة والطاعة بمفهومها العام والخاص، ولما كان الإنسان أميناً على نفسه مأموراً بالعناية بها ورعايتها ثم اختار لنفسه وظائف إضافية يتحقق فيها مفهوم الأمانة ويتوجب أكثر من غيرها، كالمسئوليات عموما والأبوة والأمومة خصوصاً وجب عليه وجوبا أكيدا صيانة الأمانة ورعايتها والحفاظ عليها من صور أو مظاهر التضييع والتفريط.

وإن مما يذوب له قلب المؤمن كمدا ما نراه من تفريط وتضييع للأمانات والتي هي عقد متصل لا ينفك بعضه عن بعض فصيانة العهود والمواثيق خصوصا ما سماه الله (ميثا غليظا) تترتب عليه صيانة ما ينشأ عن هذا الميثاق الغليظ من تبعات أوجبها رعاية الأبناء..

وإنه لمن علامات الخبال والجهالة أن يترك بعض الراسبين في اختبار الأمانة فرض صيانة ورعاية من يعول من الأبناء إلى إنجاب المزيد منهم والاستكثار من المباح في التعدد والانجاب وهو مباح وليس واجبا.. فهل يعقل من يترك الواجب للمباح؟؟ وما دام أن ميزان عقله وفهمه طاش واخترب، فكان الله في عون من هم تحت رعايته من سوء تقديره وتدبيره الذي هو في الحقيقة تفويت وتقويض لبنيان قائم.. حجته في ذلك الاستزادة.. وما علم هذا الجاهل أنه يقيم على نفسه الحجج ويستكثر منها تخاصمه وتحاججه أمام الله وأمام الناس وتقف له على الصراط خصيمة يوم العدل والميزان

الأمانة ليست فضيلة عابرة، بل هي عمود الخيمة الإيمانية، ومحكّ التدين الحقيقي، وصمام الأمان للبناء الأسري والمجتمعي. وحين تنهار الأمانة، تنهار البيوت، وتتمزق الأفئدة، ويُساق الأبناء إلى مقصلة الضياع والجفاف العاطفي!

ولعل أشد أنواع الخيانة خطورة وجُرماً هي الخيانة الناعمة التي يمارسها بعض الآباء اليوم؛ حين يتحول الأب من راعٍ أصيل مستأمن على رعيته وحصنٍ مكين إلى مجرد “جسدٍ حاضِر، ورُوحٍ غائبة”، يرهن وقته واهتمامه وشغفه لـ “شاشات الهواتف والتوافه”، ويجود بأصفى مشاعره ولطفه على النساء من غير أهل بيته بزعم (على نية الزواج)، بينما يُمارس في بيته وعلى أبنائه شحّاً عاطفياً، وتضييقاً وحرماناً من مقومات الحياة الطبيعية.

إن هذا التناقض الصارخ هو ضربٌ من تضييع الأمانة التي حذرت منه الشريعة، ونذيرُ شؤمٍ بخراب العمران والتفكك الأسري.

أولاً: الأمانة في الميزان الشرعي (القرآن والسنة النبوية)

  1. عِظَمُ الثقل والمسئولية: بَيَّن القرآن الكريم أن الأمانة تكليفٌ شاقٌّ أشفقَتْ من حملِه الكائنات العظيمة ورَضِيَ الإنسان بحمله: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72].
  2. الأمر بالأداء والتحذير من الخيانة: أمر الله جل وعلا برعاية الأمانات وأدائها إلى أهلها: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، وحذر من الخيانة في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].
  3. ارتباط الأمانة بالنفاق والإيمان: نفى النبي ﷺ كمال الإيمان عمن خان الأمانة فقال: (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ) [مسند أحمد]،

وجعل الخيانة عند الائتمان آية صريحة من آيات النفاق: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَمْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) [صحيح البخاري].

  1. تضييع الأمانة علامة اقتراب الساعة: بين النبي الكريم أن التفريط في الأمانات هو بداية انهيار المنظومة الإنسانية؛ حيث قال لمن سأله عن الساعة: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ…» [صحيح البخاري].

ثانياً: وقفة متأنية مع حديث “نزول الأمانة ورفعها من القلوب” وشرحه

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ حَدِيثَيْنِ؛ رأيتُ أحدهما وأنا أنتظرُ الآخر:

(حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ. وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا، قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ المَجْلِ؛ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا، وَيُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) صحيح البخاري.

الشرح والتحليل الشرعي للحديث:

  • نزول الأمانة في جَذْر القلوب: يُبين النبي الكريم أن الأمانة والإيمان يستقران أولاً في أصل وفطرة قلوب الرجال، ثم يتغذى هذا الإيمان بالقرآن والسنة فيثمر استقامة وحفظاً للعهود.
  • كيفية رَفْع الأمانة (التدرج الخفي): يوضح الحديث مساراً خطيراً لانتزاع الأمانة من القلوب بسبب المعاصي والفتن؛ فتنقص شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى منها إلا أثر خفيف كالنقطة (الوَكْت)، ثم تنقص أكثر ليصير أثرها كـ (المَجْل) -وهو الانتفاخ الذي يظهر في الجلد عند استخدام أدوات شاقة كالفأس، أو كجمرة تدحرجت على القدم فانتفخ جلدها وبدا مرتفعاً لكنه من الداخل خاوٍ ليس فيه إلا ماء فاسد!
  • انخداع الناس بالظاهر: ينتهي الحديث إلى صورة واقعية مؤلمة؛ حيث يتعامل الناس ويكثر بينهم التبايع والتواصل، لكن يندر وجود الأمين الحقيقي، ويُمدح الرجل بين الناس بدنياه، وحسن تدبيره، وقوته، وظرافته، فيقال: “ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده!”، وهو عند الله خلوٌّ من الإيمان، ليس في قلبه مثقال حبة خردل منه.

ثالثاً: صور تضييع الأمانة:

تتعدد مجالات تضييع الأمانة لِتَشمل الحكم والوظيفة والتجارة وحفظ الأسراروغيرها

  • في الحكم والمسئولية: إسناد الولايات والوظائف لغير الأكفاء والمحسوبية.
  • في العمل الوظيفي: التكاسل، الإهمال، الرشوة، واستغلال النفوذ.
  • في حفظ الأسرار والتجارة: الغش، المماطلة، وإفشاء أسرار البيوت.

ولكن تبقى صورة “الأب المفرّط من أشدها إيلاماً وتدميراً للبنية الأسرية:

  1. الاستغراق في “الهواتف والتوافه“: الاستغراق التام من قِبل الأب في الشاشات الرقمية والتطبيقات الترفيهية على حساب الوقت المخصص. للأولاد وهذا مما عمت به البلوى.
  2. التقصير في التربية والإيمانيات: ترك الأبناء بلا تعهّد لصلاتهم، ولا غرس لأخلاقهم، ولا حماية لشبابهم من التيارات الفكرية والأخلاقية الهدامة.
  3. النفاق العاطفي والازدواجية: سكْب المشاعر والكلمات المعسولة والاهتمام خارج إطار الاسرة عبر وسائل التواصل تحت دعاوى الإباحة أو اللطف، في مقابل ممارسة الجفاء، والغلظة، والبخل العاطفي داخل بيته وبين أبنائه! وهو انحراف أخلاقي يصادم قول النبي الكريم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ».
  4. التضييق وسلب الحياة الطبيعية: بعد أن أفسد الأب بيته بالغياب والانشغال بنفسه ولهوه وشهواته، يمارس التسلط الحرمانِيّ، فيحرم أبنائه من احتياجاتهم النفسية والاجتماعية والترفيهية المشروعة، ويمنعهم من عيش حياة طبيعية متوازنة ثم يقتر عليهم في حقوقهم أمام الناس ليقال أب مسؤوول والحقيقة أنه يخشى الناس ولا يخشى الله.

رابعاً: المخالفة الصريحة للمقاصد الشرعية

إن تفريط الآباء في ادوارهم ومسئولياتهم يصادم مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية (الضروريات الخمس) بشكل مباشر:

  • حفظ الدين: لإهماله تربية الأبناء على العبادة والأخلاق، مما ينشئ جيلاً يجهل أصول دينه.
  • حفظ النسل والعقل: لأن الاستغراق في الشاشات يورث الأبناء اضطرابات نفسية، ويحرمهم من السكن الأسري النافع لنموهم العاطفي والعقلي.
  • حفظ المال والكرامة: بتضييع مال ورعاية من استرعاه الله عليهم وإهدار الوقت فيما لا ينفع.

خامساً: الأضرار التربوية والنفسية والاجتماعية

من المنظور التربوي والأسري، ينعكس هذا التفريط على الأفراد والمجتمع بآثار كارثية:

1. على الأبناء (الأفراد):

  • العطش العاطفي والانحراف: بحث الأبناء عن البدائل العاطفية خارج البيت، مما يجعلهم عرضة للاستغلال السلوكي أو الفكري.
  • الاضطرابات النفسية: نشوء مشاعر الرفض، وانخفاض تقدير الذات، والقلق والرهاب لغياب سند الأب والاحتواء الأسري.
  • اهتزاز القدوة والصدمة الأخلاقية: عندما يكتشف الأبناء ازدواجية الأب (لطيف في الشاشات، جاف وشديد في البيت)، تسقط القدوة من أعينهم ويهتز إيمانهم بالقيم.

2. على المجتمع:

  • تفكك النواة الأسرية: تحول البيوت إلى شوارع كئيبة ومراكز للصراع والجفاء بدلاً من السكن والمودة.
  • تصدير أجيال هشّة: رفد المجتمع بأفراد يفتقدون للتحصين النفسي والأخلاقي، مما يرفع معدلات الجريمة والإدمان والتفكك.
  • إعادة إنتاج الخيانة: الطفل الذي ينشأ في بيت ضُيِّعت فيه أمانة الرعاية، يُخشى أن يمارس التضييع ذاته مستقبلاً في عمله وزواجه ومجتمعه.

الخلاصة الشرعية والتربوية

إن الأب الذي يُبدل أمانة بيته وأبنائه بالتوافه والهواتف والانشغال بشهواته والحرص على المباح وتضييع الواجب، ويسكب عواطفه للخارج بينما يمنعها عن أهله، قد وقع في خيانة صريحة ومباشرة لرعيته، فالنبي الكريم يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ… وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].

 والواجب يستدعي استفاقة عاجلة للآباء للعودة إلى أحضان أسرهم، وأداء أمانة التربية قبل أن تُرفع الأمانة من القلوب كلياً ويقفوا بين يدي الله للحساب (وقفوهم إنهم مسؤولون).

وعلى المجتمعات الاستفاقة والتحذير من انتشار هذه الظاهرة والعمل على رفضها وانكارها قولا وقلبا وعملا والتكاتف لرفع الظلم عن المظلومين في بيوت قامت ومازالت على صبر النساء وكتمانهن للمآسي وتضييع الأمانات في بيوت القائم عليها مشغول بنفسه مستخفٍ بستار الدين مستعمل للنصوص الشرعية للتغطية على خيانته وتضييعه للأمانة.