أعاد قرار حل لجنة متابعة العمل الحكومي في قطاع غزة فتح النقاش حول مستقبل إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة، بعدما اعتبره مراقبون خطوة سياسية وإدارية تهدف إلى استكمال الترتيبات الخاصة بانتقال الصلاحيات إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، في حين تبقى قدرة هذه اللجنة على مباشرة عملها مرتبطة بجملة من التعقيدات السياسية والأمنية التي لم تُحسم بعد.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قد أعلن في السادس من يوليو 2026 حل لجنة متابعة العمل الحكومي واستقالة رئيسها بالإنابة محمد عبد الخالق الفرا، تمهيدا لنقل صلاحياتها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة الدكتور علي شعث.
وتشير الورقة التحليلية الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى أن القرار لا يمكن فصله عن المسار المؤسسي الذي بدأ مع صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 في نوفمبر 2025، والذي نص على تشكيل لجنة وطنية تكنوقراطية لإدارة الشئون المدنية في قطاع غزة، إلا أن اللجنة، رغم اكتمال تشكيلها منذ يناير 2026، لم تتمكن حتى الآن من دخول القطاع أو مباشرة مهامها.
وترى الورقة أن أبرز دوافع حل لجنة متابعة العمل الحكومي يتمثل في استكمال الترتيبات الإدارية والقانونية اللازمة لنقل المسؤوليات، وسحب الذرائع التي كانت تستخدمها حكومة الاحتلال الصهيوني لتبرير منع دخول اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة، إلى جانب التأكيد على التزام حركة حماس بموقفها المعلن بعدم المشاركة في ترتيبات إدارة "اليوم التالي" للحرب.
وبحسب التحليل، فإن القرار يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الإداري، إذ ينقل مسئولية استكمال عملية الانتقال إلى الأطراف الدولية والوسطاء، بعد أن أعلنت الجهات الحكومية في غزة استكمال الإجراءات الواقعة ضمن صلاحياتها، بينما يبقى تنفيذ المرحلة التالية مرهونا بالسماح للجنة الوطنية بدخول القطاع وممارسة مهامها.
وفي المقابل، تشير الورقة إلى أن حل اللجنة لا يعني انسحاب الفصائل الفلسطينية من المشهد السياسي أو حدوث فراغ إداري أو أمني، بل يقتصر على إعادة ترتيب الإدارة المدنية، مع استمرار المؤسسات الحكومية والكوادر الفنية في أداء أعمالها خلال المرحلة الانتقالية لضمان استمرارية الخدمات العامة.
وتوضح أن الجهات الحكومية اعتمدت ترتيبات انتقالية تقضي باستمرار رؤساء المؤسسات الحكومية كهيئة مؤقتة، مع مواصلة الموظفين الفنيين والمهنيين أداء مهامهم إلى حين استكمال انتقال الصلاحيات، فيما تستمر الأجهزة الشرطية ووزارة الداخلية في ممارسة أعمالها بصورة اعتيادية للحفاظ على النظام العام.
وتلفت الورقة إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في الجوانب القانونية، إذ إن اللجنة الوطنية تمتلك تفويضا قانونيا منذ أواخر عام 2025، وإنما في غياب التمكين الفعلي الذي يمنعها من مباشرة اختصاصاتها داخل القطاع، وهو ما يجعل العقبات السياسية والأمنية العامل الحاسم في مستقبل المرحلة الانتقالية.
كما تشير إلى أن ملف الموظفين الحكوميين يعد من أكثر الملفات تعقيدا، نظرا لارتباطه بإعادة تنظيم أوضاع عشرات آلاف العاملين في مؤسسات القطاع، وتأمين الموارد المالية اللازمة لصرف رواتبهم، في ظل الأزمة المالية والاحتياجات المتزايدة التي خلفتها الحرب.
وعلى صعيد المواقف، تذكر الورقة أن حكومة الاحتلال لم تصدر موقفا رسميا من القرار، فيما وصفته أوساط إسرائيلية بأنه خطوة سياسية لا تغير من موقفها المرتبط بملف سلاح الفصائل الفلسطينية. كما تبنى مجلس السلام والإدارة الأمريكية موقفا حذرا، مؤكدا أن تقييمه للخطوة سيكون مرتبطا بالإجراءات العملية، مع التشديد على مبدأ وجود سلطة واحدة وسلاح واحد تحت مظلة اللجنة الوطنية.
وتضيف أن الدول الراعية لتشكيل اللجنة الوطنية، وفي مقدمتها مصر وقطر وتركيا، تنظر إلى الخطوة باعتبارها استكمالا لمسار ترتيب الإدارة المدنية في القطاع، بينما أبدت بعض القوى الفلسطينية استعدادها للتعاون مع اللجنة الوطنية، مع استمرار التباين بشأن ملف السلاح وآليات إدارة المرحلة المقبلة.
وترجح الورقة أن يبقى المشهد خلال الفترة القريبة محصورا بين سيناريوهين رئيسيين، يتمثل الأول في دخول تدريجي للجنة الوطنية لإدارة الملفات الخدمية والإغاثية دون الملفات السيادية، فيما يقوم الثاني على استمرار حالة الجمود الحالية وبقاء اللجنة خارج القطاع مع مواصلة الكوادر الحكومية تسيير الأعمال اليومية.
وتخلص الورقة إلى أن حل لجنة متابعة العمل الحكومي يمثل خطوة إدارية وسياسية مهمة أزالت إحدى العقبات الداخلية أمام انتقال إدارة القطاع، إلا أن نجاح هذا المسار سيظل مرهونا بنتائج التفاهمات السياسية والأمنية، وبمدى التوصل إلى اتفاقات بشأن فتح المعابر، وتمكين اللجنة الوطنية من مباشرة عملها، والتعامل مع القضايا الخلافية، وفي مقدمتها ملف السلاح والترتيبات الأمنية المصاحبة للمرحلة الانتقالية.