أثارت تصريحات العميل الصهيوني عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري التي ربط فيها بين أحداث ثورة 25 يناير وخسائر اقتصادية ضخمة تكبدتها الدولة، جدلا واسعا بالتزامن مع تراجع سعر صرف العملة المحلية من نحو 6 جنيهات أمام الدولارإلى قرابة 50 جنيها في الوقت الراهن.
وخلال حديثه في احتفالية افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديد المعروف بـ"الأوكتاجون"، زعم قائد الانقلاب أن مصر خسرت ما يقرب من 450 مليار دولار نتيجة الاضطرابات التي صاحبت تلك المرحلة، "بالتزامن مع ثورة 25 يناير" معتبرًا أن تلك الأحداث انعكست بشكل مباشر على الاقتصاد والاستقرار العام، وأسهمت في تراجع قيمة العملة بشكل كبير عبر السنوات.
وفي المقابل، تذهب تحليلات اقتصادية إلى أن الأزمة لا يمكن اختزالها في حدث سياسي واحد، وإنما ترتبط بتراكمات ممتدة لسياسات نقدية واقتصادية ومالية خلال السنوات الماضية، إضافة إلى صدمات خارجية متلاحقة، ساهمت جميعها في الضغط على العملة المحلية ورفع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للجنيه.
من 6 جنيهات إلى عشرات الجنيهات.. رحلة تراجع ممتدة
وأشارت البيانات التاريخية لسعر الصرف إلى أن الدولار كان يدور حول مستوى يقارب 6 جنيهات قبل عام 2011، قبل أن يبدأ مسار تصاعدي تدريجي خلال العقد التالي، مع اختلاف وتيرة التراجع بين مرحلة وأخرى.
وبحسب تسلسل زمني موثق، استقر الدولار عند حدود 6.9 جنيهات في عام 2014، أي بعد الثورة بـ3 أعوام وبعد عام واحد من الانقلاب العسكري الذى قاده العميل الصهيوني عبد الفتاح السيسي ثم شهد السوق الرسمية والموازية تحركات متباينة خلال 2015 و2016، قبل أن يتجه نظام الانقلاب إلى تعويم الجنيه في نوفمبر 2016 ضمن اتفاق مع صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.
بعد التعويم مباشرة، تراجع الجنيه إلى مستويات قريبة من 17 جنيها للدولار، قبل أن يستقر لفترة عند حدود 16 جنيها حتى عام 2022، وفق بيانات البنك المركزي وسلاسل السوق الرسمية.
لكن منذ عام 2022، ومع موجات التضخم العالمية وخروج استثمارات أجنبية تقدر بأكثر من 20 مليار دولار، بدأت العملة المصرية مرحلة جديدة من التراجع، حيث ارتفع الدولار إلى حدود 31 جنيها، ثم واصل الصعود تدريجيًا في السوق الموازية ليصل في بعض الفترات إلى مستويات قاربت 70 جنيها، بحسب تقارير اقتصادية متداولة خلال 2024 و2025.
وفي أحدث التقديرات المتداولة خلال عام 2026، تراوح سعر الدولار في السوق الرسمية بين 51 و52 جنيها، مع تسجيل مستويات أعلى في بعض البنوك وصلت إلى نحو 52.6 جنيه، ما يعكس استمرار الضغوط على سوق الصرف.
خسائر ما بعد 2011.. تقديرات مثيرة للجدل
الرقم الذي أثار الجدل في التصريحات الرسمية هو تقدير الخسائر بنحو 450 مليار دولار نتيجة تداعيات أحداث 2011، وهو رقم لم يصدر بشأنه إجماع من المؤسسات الاقتصادية الدولية أو التقارير المستقلة، لكنه يطرح في سياق سياسي يربط بين حالة عدم الاستقرار خلال تلك الفترة وتراجع المؤشرات الاقتصادية لاحقًا.
وفي الوقت نفسه، تشير قراءات اقتصادية أخرى إلى أن التركيز على حدث بعينه يتجاهل عوامل أكثر تعقيدًا، من بينها الاعتماد المتزايد على الاستيراد، وتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي، وتذبذب مصادر العملة الصعبة مثل السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وإيرادات قناة السويس.
كما أكدت تقارير اقتصادية أن فجوة مزمنة بين الموارد الدولارية التي تقدر بنحو 100 مليار دولار سنويًا، مقابل استخدامات تتجاوز 130 مليار دولار، ساهمت في استمرار الضغط على العملة المحلية على مدى سنوات.
السياسات النقدية فاشلة
في المقابل، ذهب اتجاه من التحليل الاقتصادي إلى أن السياسات النقدية وإدارة سوق الصرف لعبت دورًا محوريًا في تفاقم الأزمة، وليس فقط الأحداث السياسية.
وقد أشار محافظ البنك المركزي المصري الأسبق هشام رامز في تصريحات إعلامية سابقة إلى أن بعض السياسات المرتبطة بإدارة السيولة وسعر الصرف ساهمت في اضطرابات السوق، في حين رأت تحليلات أخرى أن محاولات ضبط السوق في فترات معينة أدت إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية بدلًا من تقليصها.
ورأى خبراء اقتصاديون أن فترات تذبذب الجنيه لم تكن مرتبطة فقط بالسياسة، بل أيضًا بغياب تدفقات نقد أجنبي كافية، وارتفاع فاتورة الواردات، وتزايد الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتغطية احتياجات التمويل.
وبحسب التقرير انتقد خبراء ومحللون مصرفيون السياسات النقدية في مصر، واصفين إياها بأنها "فاشلة"، ومتهمين قيادات البنك المركزي ووزارة المالية بالتسبب في خسائر كبيرة للجنيه أمام الدولار نتيجة ما وصفوه بسياسات غير موفقة في إدارة سوق الصرف.
وفي هذا السياق، أشار محافظ البنك المركزي المصري الأسبق طارق عامر، خلال ظهور تلفزيوني في 24 فبراير 2016، إلى أن توقع تراجع الدولار إلى 4 جنيهات في مارس من العام نفسه كان "نكتة"، مؤكدًا أن سعر الصرف يعكس تحركات الاقتصاد وأن الجنيه سيظل في حالة تذبذب حتى الوصول إلى سعر توازني لم يحدده، حين كان الدولار يدور آنذاك حول 15.7 جنيه للشراء، وفق بيانات السوق في ذلك الوقت.
ورأى الخبير الاقتصادي عز الدين حسنين أن تحركات سعر الصرف تعكس ضعف المؤشرات الاقتصادية، معتبرًا أن ما حدث من تراجع للجنيه كان "تحركًا تكتيكيًا من البنك المركزي"، وليس نتيجة عوامل سوق طبيعية، مشيرًا إلى استمرار قيود تدبير الدولار وتوفره المحدود عبر البنوك، وهو ما أعاد الضغط على الطلب في السوق الموازية ورفع الأسعار لاحقًا.
وفي السياق ذاته، اعتبر أكاديميون ومحللون أن تدخل البنك المركزي في سعر الصرف تسبب في إرباك المضاربين، ودفع السوق الموازية إلى لعب دور أكبر في تحديد السعر الحقيقي للعملة، في ظل استمرار شح العملة الأجنبية من مصادرها الأساسية.
ضغوط خارجية متلاحقة تزيد الأزمة تعقيدًا
لم يقتصر الضغط على العوامل الداخلية، إذ لعبت الأزمات العالمية دورًا إضافيًا في تعقيد المشهد، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، وصولًا إلى التوترات الإقليمية الأخيرة في الشرق الأوسط.
وقد أدت هذه التطورات إلى خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية عالميًا، وزيادة تكلفة الواردات الشهرية في مصر إلى مستويات قاربت 9.5 مليارات دولار في فترات الذروة، مقارنة بنحو 5.5 مليارات دولار قبل الأزمات، وفق تقديرات اقتصادية.
كما تراجعت بعض مصادر الدخل الرئيسية مثل إيرادات قناة السويس والسياحة في فترات متقلبة، ما زاد من الضغوط على ميزان النقد الأجنبي.
خانة أسوأ العملات
ومع تصاعد الضغوط على الجنيه المصري احتل موقع متقدما ضمن أسوأ العملات أداءً أمام الدولار منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة والاحتلال الصهيوني ضد إيران في 28 فبراير الماضي، بعدما سجل تراجعًا بنحو 12.2 في المائة وفق بيانات "بلومبيرج"، في وقت كانت العملة قد حققت مكاسب نسبية بلغت 6.2 في المائة خلال النصف الثاني من العام الماضي.
وأشارت البيانات إلى أن الحرب دفعت الدولار إلى تسجيل أفضل أداء شهري له منذ أكتوبر 2024، ما انعكس سلبًا على عملات عدة في الأسواق الناشئة، بينها عملات أفريقية وآسيوية ولاتينية.
وبحسب نفس البيانات، فقد تفرد الجنيه المصري بوتيرة هبوطه مقارنة بنظرائه في القارة الأفريقية، إذ تجاوزت نسبة تراجعه ضعف ما سجلته عملات مثل جنوب أفريقيا وناميبيا وليسوتو وإسواتيني، التي انخفضت بنحو 6.8 في المائة فقط خلال الفترة ذاتها.
وفي هذا السياق، حذرت تقارير ومؤسسات مالية دولية من تداعيات ممتدة، حيث أشارت وكالة "موديز" إلى خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المصرية بنحو 8 مليارات دولار منذ بداية الحرب، بينما قدرت "فيتش سوليوشنز" حجم التخارج بين 8 و9 مليارات دولار إضافية.
كما أظهرت بيانات سوقية ارتفاع الدولار في العقود الآجلة للجنيه المصري إلى مستويات تتراوح بين 63.85 و64.4 جنيهًا خلال عام واحد، بالتوازي مع صعود أسعار الذهب محليًا، في مؤشر يعكس تزايد التوترات في سوق الصرف.
ديون وفوائد
كشف البيان التحليلي للموازنة المصرية للعام المالي 2026/2027، الذي يبدأ في يوليو الحالي، عن أرقام ثقيلة في بند الدين العام، حيث بلغت أقساط وفوائد الديون نحو 5.227 تريليون جنيه (ما يعادل 104.5 مليار دولار) بزيادة 19.2 بالمئة مقارنة بالعام الحالي.
ووفق البيان، فإن الاعتماد على الاقتراض يمثل نحو 49.1 في المائة من موارد الموازنة الجديدة، في وقت تتوزع فيه بقية الإيرادات بين الضرائب بنسبة 43.2 في المائة، ما يعكس استمرار الاعتماد على أدوات الدين كمصدر رئيسي لتمويل الدولة.
وبحسب تفاصيل البيان، فإن أقساط القروض المحلية والأجنبية وحدها ستصل إلى نحو 2.807 تريليون جنيه (56.1 مليار دولار) مقابل 2.08 تريليون جنيه في العام السابق، بزيادة 6.5 في المائة، بينما ترتفع فوائد الدين إلى 2.419 تريليون جنيه (48.4 مليار دولار) مقارنة بـ2.298 تريليون جنيه، بزيادة 5.3 في المائة وأشارت البيانات إلى أن خدمة الدين تستحوذ على نحو 64 في المائة من إجمالي استخدامات الموازنة، مقابل 36 في المائة فقط لبقية البنود، في حين يقفز إجمالي الدين العام إلى 89.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس ضغطًا متزايدًا على هيكل الإنفاق الحكومي.
وتظهر أرقام الموازنة الجديدة احتياجات تمويلية تقدر بنحو 4.01 تريليون جنيه، يتم تغطية معظمها عبر إصدار أدوات دين محلية بقيمة 3.415 تريليون جنيه وإصدارات خارجية بنحو 594.6 مليار جنيه.
وفي المقابل، تراجعت حصة الإنفاق على القطاعات الأساسية، حيث لم تتجاوز مخصصات التعليم 1.51 في المائة من الناتج المحلي والصحة 1.72 في المائة، وهي نسب تقل عن الحدود الدستورية. كما انخفض دعم المواد البترولية بنحو 79 بالمئة، في وقت تشير فيه تقديرات الموازنة إلى خفض إيرادات قناة السويس إلى 6.25 مليارات دولار مقابل 9.3 مليارات سابقًا، ما يعكس ضغوطًا متزامنة على الإيرادات والإنفاق .