حذرت صحيفة إيرانية حكومية، اليوم الثلاثاء، من أن الإصرار الأمريكي على تجريد طهران من مخزون اليورانيوم المخصب قد يكون تمهيداً لشن هجوم نووي يهدف لإخضاع البلاد، في وقت وصف فيه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، عملية نقل تلك المخزونات إلى الخارج بأنها معقدة فنياً وشديدة الحساسية، مؤكداً أن أي اتفاق نووي مستقبلي يجب أن يراعي التطور التكنولوجي الإيراني الراهن وظروف ما بعد الحرب.

وقالت صحيفة "إطلاعات" إن "قادة الولايات المتحدة وإسرائيل قد يرون في قصف إيران نوويا الوسيلة الوحيدة لإخضاعها بعد إخفاق وسائل الضغط الأخرى"، مشيرة إلى أن تخصيب اليورانيوم ظلّ منذ أكثر من عقدين من أكثر القضايا إثارة للخلاف في المفاوضات النووية بين إيران والدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، وأضيف إليه خلال السنوات الأخيرة موضوع مخزونات من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة تتجاوز 60%.

وتابعت أن واشنطن لم تتراجع عن مطلب إخراج اليورانيوم ووقف الأنشطة النووية، برغم ما أظهره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من مرونة في ملفات أخرى، لافتة إلى أن الدور المحوري لتقنية التخصيب في التقدم العلمي والصناعي لا يكفي وحده لتفسير التمسك الأمريكي بهذا المطلب، مرجحة أن توفر شخصية ترامب وسياسته تجاه إيران، التي تهدف لتلبية طموحات رئيس حكومة العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، ضمن استراتيجية "إسرائيل أولاً"، تفسيراً لهذا الموقف الذي يمس كيان الدولة.

وأوضحت الصحيفة الإيرانية المقربة من الإصلاحيين أن بعض الأوساط الأمريكية تقارن بين إيران واليابان في الحرب العالمية الثانية من منظور التيارات المحافظة الجديدة، حيث يُنظر إلى الضربات النووية على هيروشيما وناجازاكي كعامل وحيد أجبر الإمبراطورية اليابانية على الاستسلام. ورأت أن هذا المنظور ينعكس على تعاملهم مع إيران، انطلاقاً من قناعة بأن الضغوط العسكرية التقليدية والاغتيالات لم تنجح في إخضاع طهران، بل زادت من تماسكها التاريخي.

ووفقاً لـ"إطلاعات"، فإن هذا التصور يقود قادة واشنطن وتل أبيب إلى التفكير في الهجوم النووي كخيار أخير بعد فشل تحريك "النزعات الانفصالية" أو الحصار الاقتصادي. وأضافت أن احتفاظ إيران باليورانيوم المخصب يرفع كلفة هذا الخيار بسبب احتمال الرد النووي في حال وصول البلاد إلى المرحلة النهائية من صناعة القنبلة النووية، وهو ما اعتبرت أنه "حق" كفله القانون الدولي في حالات التهديد الوجودي، استناداً إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 1996.

ورفضت الصحيفة موقف قوى سياسية إيرانية يقول بأن تسليم مخزون اليورانيوم قد يبعد خطر الهجوم النووي، مذكرة بسلسلة أحداث وقعت خلال العامين الأخيرين، برغم استبعادها سابقاً، مثل سقوط مروحية الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي عام 2024، في ظروف وصفتها بالمشبوهة، واغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في طهران إسماعيل هنية 2024، ومقتل عشرات من العلماء النوويين برفقة عوائلهم، واغتيال المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومئات من القادة العسكريين والمدنيين. وأعربت "إطلاعات" عن أسفها لعدم إصدار أي إدانة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية للهجمات على المواقع النووية الإيرانية رغم عضوية طهران في معاهدة حظر الانتشار النووي.

ورأت الصحيفة أن الإشارات الصادرة عن ترامب بشأن إيران، ومنها حديثه عن أن رئيس وزراء اليابان يفهم معنى المفاجأة أكثر من غيره، وكذلك تلميحه إلى احتمال ظهور "نور عظيم" في إيران، لا تمثل مجرد أمنيات، بل تعكس، بحسب تقديرها، قناعة لديه بأن إخضاع طهران قد يتطلب هذا المستوى من التصعيد.

وخلصت الصحيفة إلى أن القرار المتعلق باليورانيوم لا يتعلق، في نظرها، بملف فني أو تفاوضي فحسب، بل يرتبط بمصير إيران التاريخي. وحذرت من أن أي خطأ في هذا الشأن، بما في ذلك ما قد يطرح تحت غطاء التبرير الفقهي، قد يعرّض البلاد لخطر وجودي لصالح استراتيجية "إسرائيل الكبرى"، معتبرة أن التحولات الأساسية في الظروف تستدعي، وفق رأيها، مقاربة فقهية ديناميكية.

وانتقدت الصحيفة الدعوات الرامية لإخراج اليورانيوم المخصب أو تخفيفه، مشددة على أن تجارب دول مثل فرنسا وباكستان والهند وكوريا الشمالية تظهر أن التحول إلى دولة نووية يغير المعادلات بشكل جذري ويضمن المكتسبات الجيوسياسية. واعتبرت أن ميزان القوى في النظام الدولي الحالي لا يستقيم إلا بالتكافؤ النووي، خاصة في ظل وجود أطراف متخاصمة تمتلك هذه القدرة.

تطورات اليورانيوم المخصب

يُذكر أن طهران وافقت، بموجب الاتفاق النووي المبرم عام 2015 على الإبقاء على تخصيب اليورانيوم عند مستوى 3.67%، وهو المستوى اللازم لإنتاج وقود محطات الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء. إلا أنه بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، قامت إيران ضمن خطواتها ردا على العقوبات الأمريكية برفع مستوى التخصيب بدايةً إلى 4.5% ثم إلى 20%، ولم تدخل نطاق الـ60% إلا بعد مرور ثلاث سنوات.

ففي إبريل 2021؛ بعد وقوع انفجار وانقطاع للتيار الكهربائي في منشأة نطنز، واتهامات إيرانية للصهاينة بالتورط فيها، أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%.

وحتى قبيل اندلاع حرب يونيو الماضي، كان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% قد بلغ نحو 440 كيلوغراماً، وفقاً لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إلا أنه بعد قصف المراكز النووية، أصبح مصير هذه المخزونات غامضا. وسبق أن قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك إن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة للسلاح النووي في العالم التي تصل إلى هذا المستوى من تخصيب اليورانيوم.

صعوبة إخراج اليورانيوم الإيراني

من جانبه، قال جروسي، وفق ما نقله موقع "خبر أونلاين" الإيراني، إن نقل مخزونات إيران من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد "صعب، لكنه ليس مستحيلاً". وأكد أن نقل هذه المخزونات إلى الخارج عملية شديدة الحساسية ومعقدة من الناحية الفنية، قائلا في هذا السياق إن "مثل هذه العملية ليست سهلة، لأن هذه المادة تكون في شكل غاز، وهي شديدة التلوث، كما أن التعامل معها ليس عملية بسيطة".

وأضاف أن هناك حالياً عدة خيارات مطروحة للنقاش، من بينها نقل اليورانيوم إلى الخارج أو تخفيفه إلى مستوى نقاء أدنى، مشيراً إلى أن هذه الخيارات لا تزال قيد البحث. وتابع: "رغم أن الوكالة لا تشارك مباشرة في هذا المسار، فإن مساعدتنا يمكن أن تجعل هذه العملية ممكنة وأكثر كفاءة". وأشار غروسي إلى أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني ستقود، إذا أُنجزت، إلى اتفاق يختلف عن الاتفاق النووي المبرم عام 2015.

 

وقال: "نحن اليوم أمام ظروف مختلفة تماماً. أولاً، من المهم جداً أن هذا الاتفاق، إذا تم، سيكون اتفاقاً لمرحلة ما بعد الحرب وفي ظل أضرار مادية لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية"، مضيفا أنه إضافة إلى ذلك، فقد تطورت التكنولوجيا والقدرات الإيرانية إلى حد كبير، وبالتالي فإن جميع المعايير السابقة، بما فيها عدد أجهزة الطرد المركزي وكمية اليورانيوم المخصب، أصبحت من الماضي. وأوضح أن لدى الإيرانيين اليوم "أجهزة جديدة وسريعة جداً. لذلك، أياً يكن ما كان عليه الاتفاق النووي السابق، فنحن اليوم بحاجة إلى شيء مختلف".