بغداد، واشنطن- وكالات الأنباء، وإخوان أون لاين
ارتفع حجم الخسائر البشرية الجسيمة التي تتعرض لها قوات الاحتلال الأمريكي في العراق، مع إعلان الحكومة العراقيَّة عن أرقام تثبت فشل الحملة الأمنيَّة الجديدة التي بدأت قبل أسابيع في العاصمة العراقيَّةِ بغداد ومدينة الأنبار غرب البلاد قبل عدَّة أسابيع، وبينما ذلك يجري في العراق ارتفعت حدَّة الانتقادات التي يواجهها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن داخل الولايات المتحدة، مع احتدام أزمة تمويل القوات الأمريكية الإضافية المزمع إرسالها للعراق بموجب خطة بوش الصغير الجديدة للسيطرة على الوضع الأمني المتدهور في العراق.
خسائر أمريكية وعراقية
أولاً وعلى الصعيد الميداني قُتل 6 من جنود الاحتلال الأمريكي في تفجيرَيْن جنوب غرب بغداد، في فترة تشهد أكبر الخسائر في الأرواح في صفوف قوات الاحتلال الأمريكيَّة منذ بَدء الحملة الأمنيَّة الجديدة في العاصمة العراقيَّة، وقال جيش الاحتلال- في بيانٍ له يوم أمس الأحد 1/4/2007م- إنَّ جندَّيَيْن قُتلا في انفجارٍ أثناء قيامهما بدوريَّةٍ يوم السبت، بينما قُتِلَ الأربعة الآخرون عندما انفجرت قنبلةٌ أخرى يوم أمس بالقرب من وحدة عسكريَّة أمريكيَّة وصلت إلى الموقع استجابةً للهجوم السابق.
ونقلت وكالة (رويترز) للأنباء عن متحدثة عسكريَّة أمريكيَّة قولها إنَّ الهجوم الأول وقع في وقتٍ متأخرٍ من يوم السبت، وإنَّ الوحدة الثَّانية استجابت للهجوم في وقتٍ مبكرٍ يوم الأحد، ولم يذكر البيان موقع الهجوم بشكلٍ مُحدَّد، إلا أنَّه قال إنَّ الجنديَّيْن اللذَين قُتِلا يوم السبت كانا ضمن القوة المكلَّفة بالعمل في بغداد، وقالت المتحدثة إنَّها ليست لديها معلوماتٌ بخصوص الموقع وبشأن احتمال أنَّ المسلَّحين كانوا ينتظرون استجابة جنود إضافيِّين للهجوم الأول، وبذلك يرتفع عدد الجنود والعاملين مع الجيش الأمريكي الذين قُتلوا منذ غزو العراق في مارس 2003م إلى 3250 فردًا، وفقًا لبيانات وزارة الدفاع الأمريكيَّة (البنتاجون).
من جهتها أعلنت وزارة الدفاع البريطانيَّة أنَّ جنديًّا بريطانيًّا قُتل بعد هجومٍ على دورية في مدينة البصرة جنوب العراق؛ ليرتفع بذلك عدد الجنود البريطانيِّين الذين قُتلوا في العراق منذ العام 2003م إلى 135 قتيلاً.
وفي التطورات الميدانيَّة الأُخرى قُتِلَ أكثر من 15 شخصًا في هجماتٍ متفرِّقة؛ فقد قتل شخصان وأصيب 17 معظمهم من جنود الجيش العراقي في هجومَيْن انتحاريَّيْن استهدفا قاعدةً عسكريَّةً في الموصل شمال العراق، وفي طوز خورماتو- شمال بغداد- قُتِل شخص وأُصيب اثنان آخران بجروح في انفجار عبوَّة ناسفة في سوق شعبي، وفي النَّاصريَّة والدِّيوانيَّة قُتل 3 من أعضاء حزب البعث في هجومَيْن منفصلَيْن، فيما قتل مسلَّحون عميدًا في الشَّرطة العراقيَّة وأصابوا سائقه في تكريت.
وفي العمليات ذات الطابع السِّياسي وفي جبلة قَتل مسلَّحون مسئولاً في مكتب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، كما قتلوا حارسًا لمسجد سنّي في جبلة، وأضرموا النيران في المسجد، وفي بغداد نجا عضو البرلمان العراقي عن الحزب الإسلامي عمر الجبوري من محاولة اغتيال بتفجير عبوة ناسفة في حي اليرموك، وقالت الشرطة إنَّ اثنين من حرَّاسه أُصيبا، وفي بعقوبة قُتل 5 من حراس محافظ ديالى السابق عبد الله الجبوري وأُصيب هو بجراحٍ عندما استهدفت موكبه سيارةٌ يقودها انتحاري قرب منزله في قضاء المقداديَّة شمال شرق بغداد.
وفي مسلسل عمليات الخطف والجثث المجهولة الهويَّة قالت الشرطة العراقيَّة أولاً إنَّ مسلَّحين خطفوا 19 مدنيًّا من الشِّيعة بعد أنْ أوقفوا عددًا من السيارات عند نقطة تفتيش مزيَّفة قرب مدينة بعقوبة، بينما قالت الشرطة إنَّها عثرت على 16 جثةً في بغداد يوم الأحد، فيما قرَّرت السُّلطات المحليَّة في كركوك دفْنَ 60 جثة مجهولة الهوية قُتل أصحابها في أعمالِ عنفٍ خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.
وفي العمليات الأمنية أعلن الجيش الأمريكي أنَّ قواته قتلت مسلَّحًا واعتقلت 4 آخرين خلال عمليات ببغداد ومناطق أخرى استهدفت مسلَّحين يُشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة.
من ناحية أخرى قالت تقديرات الحكومة العراقيَّة إنَّ الهجمات اليوميَّة في العراق أسفرت في شهر مارس الماضي عن مقتل 1869 مدنيًّا بزيادة قدرها 15% عن فبراير السابق عليه، رغم تطبيق خطة بغداد الأمنية، وذلك من خلال بيانات جمعتها وزارات الدَّاخليَّة والدِّفاع والصَّحة أكَّدت أيضًا مقتل 165 شرطيًّا و44 جنديًّا عراقيًّا الشهر الماضي، وأشارت تقديرات الحكومة إلى أنَّ أغلب الهجمات في شهر مارس وقعت خارج بغداد، وكان أعنفها تفجير تلعفر قرب الموصل الثلاثاء الماضي الذي قُتِلَ فيه 152 شخصًا.
وقد أعلن المتحدث باسم الخطة الأمنيَّة في بغداد العميد قاسم الموسوي أنَّ الإجراءات الأمنيَّة ببغداد أدت لتصاعد الهجمات في مناطق خارجها وصفها- أي هذه المناطق- بأنَّها أرض خصبة لإشعال العنف، لكن الموسوي أكد في مؤتمر صحفي عقده في بغداد "الإصرار على تنفيذ الخطة الأمنيَّة"، التي قال إنَّها تحقق تقدُّمًا خاصة من خلال عمليات المداهمة.
من جهته تجاهل المتحدث باسم جيش الاحتلال الأمريكي في العراق الأدميرال مارك فوكس كل هذه المؤشرات، وقال إنَّه واثق من فعالية الحملات الأمنيَّة التي تنفذها القوات الأمريكيَّة والعراقيَّة، وأضاف في نفس المؤتمر الصحفي مع الموسوي أنَّ تحقيق الأمن في بغداد "ليس سهلاً"، وطالب بـ"الصبر"؛ لأنَّ إرساء الأمن بالعراق سيأخذ وقتًا، قائلاً: إنَّ "إنجاز المهمة لن يتم خلال أيام أو أسابيع"، وتوقَّع فوكس تصاعدًا في العنف خلال الأسابيع والشهور القادمة، وقال إنَّه تمَّ بالفعل نشْرُ نحو نصف التَّعزيزات التي قرَّر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إرسالها إلى العراق، والتي تُقدَّر بنحو 30 ألف جندي أمريكي.
أزمة وانتقادات
وفي واشنطن انتقد جورج ماثيو دود- أحد منسقي حملة الرئيس جورج بوش الصغير للانتخابات الرئاسيَّة الأولى عام 2000م- أداء رئيسه في العراق ومعالجة آثار إعصار كاترينا 2005م، وذكر في مقابلةٍ صحفيَّة لجريدة (نيويورك تايمز) الأمريكيَّة نشرتها في عددها الصادر أمس الأحد أنَّ على بوش الصغير "أنْ يستمع للشَّعب الأمريكي، خصوصًا فيما يتعلَّق بالوضع في العراق"، وقال إنَّ "على الرئيس وعلى قادة أمريكا أنْ يفهموا أنَّه إذا ما قرَّر الشعب الأمريكي شيئًا فعليهم أنْ يتبعوه".
وأوضح ماثيو أنَّه يرى بوش الابن اليوم بـ"صورة مُغايرة لما ظنَّه عليه في السابق"، وقال "إنَّه ليس الشخص الذي عرفته"، واعتبر أنَّ بوش بدلاً من أنْ يوحِّد أمريكا بعد أحداث سبتمبر 2001م أصبح "عامل فُرقةٍ ونزاعٍ وخلافٍ".
وفي ردة الفعل على هذه التصريحات القاسية اعتبر مستشار البيت الأبيض دان بارتليت أنَّ أقوال ماثيو تعني أنَّ هناك نقاشًا حيويًّا يشارك فيه حتى الأمريكيُّون العاديُّون بشأن الحرب في العراق، وقال: "إنَّ ذلك أمرٌ صحي".
وفي ملفٍّ آخر اتهم البيت الأبيض الدِّيمقراطيِّين في الكونجرس بـ"المخاطرة بتدهور الموقف الصَّعب الذي تواجه القوات الأمريكيَّة في العراق"، وذلك من خلال تأخير تمرير مشروع قانون لتمويل الحرب التي لا تحظى بالقبول الشَّعبي في الولايات المتحدة.
وانتقد بارتليت الكونجرس لأنَّه بدأ عطلته البرلمانيَّة قبل أنْ يفرُغَ من مشروعِ القانونِ الخاص بتمويل الحرب، والذي هدَّد الرَّئيس الأمريكي جورج بوش الابن بنقضه إذا اشتمل على جدولٍ زمنيٍّ لسحب القوات الأمريكيَّة المُقاتلة من العراق، وقال بارتليت لشبكة تلفزيون (إيه. بي. سي) الإخباريَّة الأمريكيَّة إنه "بحلول منتصف شهر مايو ربما سيتعيَّن تمديد مهمة جنودنا في العراق، الذين يخدمون في العراق؛ لأنَّ عملهم لم يسِرْ على ما يرام هنا".
وأضحت مشروعات القوانين الخاصة بتمويل الحرب اختبارًا لتصميم بوش الابن على الاحتفاظ بالسَّيطرة على سياسة العراق بعد أنْ واجه تحديًا من جانب الكونجرس؛ حيث أضاف الدِّيمقراطيون شروطًا لاعتماد المزيد من الأموال، من بينها وضع جدولٍ زمنيٍّ لسحب كل القوات المقاتلة، بينما يريد بوش التمويل بلا شروط.
وفي تصريحاته استشهد بارتليت بتعليقاتٍ أدلى بها الجنرال بيتر بيس- رئيس هيئة الأركان الأمريكيَّة المشتركة أمام لجنة بمجلس النواب يوم الخميس الماضي- قال فيها إنَّه بعد 15 أبريل الحالي وبدون تمويل الطوارئ سيتعيَّن على الجيش الشُّروع في اختصار بعض تدريبات القوات.
وكان وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس قد قال إنه في حالةِ عدم الموافقة على تخصيص الأموال بحلول 15 مايو قد يُضطَّر الجيش لتمديد مهمة بعض الجنود لأنَّ الوحدات الأخرى لن تكون جاهزة.
وقال بارتليت إنَّ تلك المخاوف "ما زالت مشروعة"، بالرغم من المذكرة الصادرة عن خدمة أبحاث الكونجرس بتاريخ 28 مارس 2007م، تمَّ إرسالها إلى لجنة الميزانيَّة بمجلس الشيوخ، وجاء فيها أنَّ الجيش الأمريكي يستطيع تمويل عمليات الحرب حتى قرب نهاية شهر يوليو المقبل، وأضاف بارتليت حول هذه المذكرة: "ما قالوه هو أنَّه يجب أنْ يكون هناك تحويلٌ للحسابات.. تحويلٌ للأموال عبر الحسابات".