مصر هي أم الفرعنة والاستبداد والطغيان وكان الملك في مصر الفرعونية هو الإله "حورس" الذي تتجسد فيه مصر. فملك مصر هو "سيا" إله الإدراك وهو "رع" إله الشمس وهو "خنوم" خالق البشر وهو "باسنش" الحامي و"سَخمت" إله العقاب.

 

وبذلك كان الفرعون هو باعث الحركة والنشاط والقوة والحيوية والصحة لا في شعب مصر فحسب بل في الطبيعة أيضًا فهو إذا ما تولى العرش يرتفع منسوب المياه في مجرى النيل ويرتوي الزرع والضرع.

 

ومن الطبيعي ألا نجد مثل هذا الارتباط بين شخصية الحاكم ومسار الطبيعة أو التوحد بينه وبين الناس في هوية واحدة إلا في نظام الطغيان، فيستحيل أن ينهار الناس أو يسقط الحكم عندما يموت الحاكم في دولة ديمقراطية بالغًا ما بلغ حبهم له أو تعلقهم به، فقد حزن الأمريكيون بعد اغتيال (كنيدي) لكنهم لم ينهاروا، وأسقط الإنجليز (تشرشل) رغم احترامهم وتقديرهم له، وفعل الفرنسيون نفس الشيء مع ديجول.

 

أما الطاغية عندنا فهو مصدر كل السلطات بطريق مباشر أو غير مباشر، وأيُّ نقد لسلوكه أو هجوم على سياسته هو نقدٌ وهجومٌ على البلد بأسرِه لأنه هو البلد.. الحرية له وحده، والنقد يصدر من جانبه فحسب، ولا يجوز لأحد غيره أن يجرؤ على ممارسته.. إنه يمد الحبل السُرِّي إلى جميع أفراد المجتمع، فيتنفسون شهيقًا كلما تنفس ولا تعمل خلاياهم إلا بأمره، فهو "الزعيم الأوحد" و"القائد و"المُعلِّم" و"الملهَم" الذي يأمر فينصاع الجميع لأمره، وهو يعبر عن مصالح الناس وهو أدرَى بشئونهم ويعرفها أفضل منهم؛ لأنهم "قُصَّر" لم يبلغوا سنَّ الرشد بعد، وأنَّى للقاصر أن يعرف الصواب من الخطأ أو أن يفرق بين الحق والباطل، ومِن ثَمَّ فلا ضَيْر أن كل شيء في البلاد إنما يتم بتوجيهات سيادته.

 

يقول البستاني (في دائرة معارفه) مفرِّقًا بين المستبد والطاغية: "ربما خَلَطَ البعضُ بين الطاغية والمستبد من الحكام، فالفرق بينهما بيِّن عظيم، فالمستبد من تفرَّد برأيه واستقلَّ به، فقد يكون مُصلحًا يريد الخير ويأتيه، أما الطاغية فيستبدُّ مسرفًا في الظلم وقد يلجأ إلى اتخاذ القوانين والشرائع سترًا يتستَّر به فيتمكَّن مما يطمح إليه من الجور والظلم والفتك برعيته وهضم حقوقها، وقد يُكَيِّف فظائعه بقالب العدل فيكون أشرَّ الطغاة وأشدَّهم بطشًا بمن تناولتهم سلطته".

 

ويشكو البستاني من أن الناس يمكن أن تتقبَّل "الطغيان" بدون شكوى أو تذمُّر، وهي الصفة التي يلصقها "أرسطو" بالشرقيين وبمصر خصوصًا؛ حيث يرى أنهم يحملون طبيعة العبيد.

 

لقد نقل المقريزي عن كعب الأحبار قوله للخليفة عمر بن الخطاب: "إن الله عندما خلق الدنيا جعل لكل شيء شيئًا، فقال الشقاء أنا لاحق بالبادية، وقالت الصحة وأنا معك، وقالت الشجاعة أنا لاحقة بالشام فقالت الفتنة وأنا معك، وقال الخِصْبُ أنا لاحق بمصر فقال الذل وأنا معك".

 

يقول "جون لوك" في كتابه "الحكم المدني": "يبدأ الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون، أي عند انتهاك القانون، وإلحاق الأذى بالآخرين"، ويؤكد فقهاء القانون أن استقرار القوانين الدستورية لم يكن أمرًا سهلاً، فهي لم تصدُر إلا بعد جهاد الشعوب وكفاحها، واستُشهد الكثيرون من أبنائها لكي تستخلص الشعوب حقوقَها من مغتصبها، وقد سجَّل التاريخ أن الدساتير لم تصدر إلا بعد ثوراتٍ شعبيةٍ أو ضغوطٍ قويةٍ من جانب الشعب على حكامه، فقانون الماجنا كارتا Magna Carta (العهد الأعظم)- الذي صدر عام 1215م- وهو أول وثيقة مدوَّنة في انجلترا بعد ثورة الأشراف على الملك "جون" والتي على إثرها تم تحديدُ حقوق الملك الإقطاعية والثورة الفرنسية الكبرى التي قامت في فرنسا عام 1789م للمطالبة بحقوق الشعب وتأكيد حرياته واحترامها، تمخَّضت عن (إعلان حقوق الإنسان) الذي أصبح وثيقةً عالميةً نقلت عنه مختلف الدساتير، ومعنى ذلك كله أن البشرية لم تستطع أن تصل إلى الحكم الديمقراطي إلا بعد كفاح مرير.

 

ثم بعد ذلك يأتي الطغاةُ من الحكَّام ليعبَثوا بها كيف شاءوا ويحوِّلوها إلى قيود وأغلال على شعوبهم، ولكن الذنب لا يلحقهم فقط، بل يلحق الشعوب أيضًا التي تمرِّر تلك القيود والأغلال دون حتى مجرد صيحة غضب واستنكار.

 

يقول أحمد مطر في لافتاته:

الورد في البستان

أصبح.. ثم كان

في غفلة تهدَّلت رءوسه

وخرَّت السيقان

إلى الثرى

ثم هوت من فوقها التيجان

مرت فراشتان وردَّدت إحداهما:

قد أعلنت إضرابها الجذور

ما أجبن الإنسان!!

ما أجبن الإنسان!!

ما أجبن الإنسان!!

ويقول الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد): "ما من مستبدٍّ سياسيٍّ إلا ويتخذ صفةً قدسيةً شارك بها اللهَ أو تعطيه مقامًا ذا علاقة بالله".

 

وهكذا يقترب الطاغيةُ من التألُّه، فهو يُرهِب الناس بالتعالي والتعاظُم ويذلُّهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى لا يجدوا ملجأً إلا التزلُّف له وتملقه!! وبذلك يصبح هو الحاكم، القاهر، الواهب، المانع.. المهيب الركن، إلى آخر الأسماء الحسنى التي تسمَّى بها أحدُ عتاة الطغاة في التاريخ المعاصر، والذي انتهى به المقام على حبل المشنقة، فسبحان القاهر المعزّ المذلّ.

 

ويشرح لنا "أرسطو" أساليب الطغاة في الاحتفاظ بملكهم في ثمانية نقاط أطلق عليها اسم "أعمدة الشرّ" وهي: تجيب على السؤال الذي يشغل بالنا في هذه الأيام وهو: لماذا تحوَّل الناس إلى عبيدٍ لغير الله؟! وتتلخص تلك الأساليب الشيطانية في:

1- تدمير روح المواطنين وزرع الشك وانعدام الثقة فيما بينهم، وجعلهم عاجزين عن فعل أي شيء، وتعويد الناس الخسة والضعة والعيش بلا كرامة؛ بحيث يسهل عليهم أن يعتادوا الذلَّ والهوان.

 

2- القضاء على البارزين من الرجال وأصحاب العقول الناضجة واستئصال كل من تفوَّق أو حاول أن يرفع رأسه وقد عبَّر عنها أرسطو بكلمة "التطهير".

 

3- منع الموائد المشتركة والاجتماعات والنوادي وحظر التعليم (أو جعله دعايةً للحاكم) وحجْب كل ما يعمل على تنوير النفوس أو كل ما يبثُّ الشجاعة والثقة بالنفس.

 

4- منع المواطنين من التجمُّع لأغراض ثقافية أو أي تجمع مماثل، واتخاذ كافة السبل التي تغرس في المواطن الشعور بأنه غريبٌ عن بلده بقدر المستطاع؛ ذلك لأن تعارفَ المواطنين وتوادَّهم يؤدي إلى استمرار الثقة المتبادلة.

 

5- إجبار كل مقيم في المدينة أن يظهر للعيان بصفة مستمرة، وإكراهه بوجه عام ألا يجاوز أبدًا أبواب المدينة إلا إذا كان الطاغية وأعوانه على علمٍ بما يعمل الناس في دولته.

 

6- يجتهد الطاغية حتى تكون لديه معلوماتٌ منتظمةٌ حول كل ما يفعل رعاياه أو يقولونه، وهذا يعني أن تكون هناك شرطةٌ سريةٌ وجواسيس أو عيون يبثُّها في أرجاء البلاد، على نحو ما كان يفعل طاغية "سيراقوصة".

 

7- إغراء المواطنين أن يشِيَ بعضهم بالبعض الآخر، فتنعدمَ الثقة بينهم ويدبَّ الخلاف بين الصديق وصديقه وبين العوامِّ وعِلْيَة القوم وبين الأغنياء والفقراء.

 

8- إفقار رعاياه حتى لا يكلِّف حرسَه شيئًا من جهة، وحتى ينشغلَ المواطنون من جهةٍ أخرى بالبحث عن قوت يومهم، فلا يجدون من الوقت ما يتمكنون فيه من التآمر عليه، وكذلك فرض الضرائب التي تؤدي إلى نفس النتيجة.

 

هذا ما قاله أرسطو في الطاغية، فهل ترى اختلافًا كبيرًا بين ما يقوله وما يحدث في بلادنا أو أقطارنا العربية؟!